دولة غنية بالنفط بدأت تتعافى من سنوات ركود اقتصادي، ولديها أحد أكبر احتياطيات النفط في العالم، وتُقبل عليها شركات النفط الكبرى مستعدةً لتحمل مخاطر الاستثمار.
كل هذا يبدو مألوفاً .. لكنني لا أقصد فنزويلا، بل ليبيا.
للمرة الأولى منذ ما يقرب من عقدين، تعيد ليبيا فتح قطاعها النفطي أمام المستثمرين الأجانب. وهي ليست الوحيدة في المنطقة، فقد منحت الجزائر أول تراخيص نفطية لها منذ عقد ، وتخطط لجولة مزايدة أخرى في عام 2026؛ كما تسعى مصر وتونس أيضاً لجذب شركات أجنبية.
تشير هذه التطورات لعودة شمال أفريقيا إلى خريطة الطاقة العالمية، في توقيت مثالي، إذ تتطلع شركات النفط الكبرى نحو فرص لتعزيز احتياطياتها، ساعيةً إلى مشاريع يُتوقع أن يبدأ الإنتاج منها في ثلاثينيات القرن الحالي.
بافتراض ثبات العوامل الأخرى، فإن زيادة إنتاج النفط تعني انخفاض الأسعار، ما يُشكل معضلة أخرى أمام تحالف “أوبك+” الذي تقوده السعودية.
مع احتياطي نفط يزيد عن نصف إجمالي الاحتياطي الأفريقي، توفر جيولوجيا المنطقة خاماً عالي الجودة ومنخفض التكلفة، بالإضافة إلى حقول غاز كبيرة.
تبدو المعادلة المالية، لا سيما في ليبيا، جذابة جداً، ما يشجع الشركات على التغاضي عن التحديات السياسية والغموض القانوني.
تنافس قوي من أكبر الشركات على نفط ليبيا
تضم قائمة شركات النفط الكبرى التي تأهلت مسبقاً لجولة المناقصات الليبية، المقرر إعلان نتائجها في فبراير، جميع اللاعبين الرئيسيين: ”إكسون موبيل“ و“شيفرون“ و“شل“ و“توتال إنيرجيز“ و“بي بي“ إضافة إلى 30 شركة أخرى.
قال توم ريتشاردز، من شركة ”إنفيروس“ للاستشارات في مجال الطاقة: “هناك سبب وجيه للتفاؤل… هناك وفرة من البراميل منخفضة التكلفة، وتحسنت الظروف المالية، وما تزال كميات هائلة من النفط والغاز كامنة في باطن الأرض“.
راهناً، تُعدّ بصمة منطقة شمال أفريقيا في قطاع الطاقة مجرد جزء مما كانت عليه في السابق.
في عام 2007، قبل اندلاع احتجاجات ما يعرف بـ”الربيع العربي”، بلغ إنتاج المنطقة رقماً قياسياً عند نحو 4.7 مليون برميل يومياً؛ بينما انخفض متوسط إنتاجها العام الماضي إلى 3.3 مليون برميل يومياً.
يعود هذا التراجع إلى عاملين رئيسيين: الحرب الأهلية المتقطعة في ليبيا منذ احتجاجات 2011 التي أودت بحياة الزعيم معمر القذافي، وعقد من نقص الاستثمار في الجزائر نتيجة إغلاقها الفعلي لقطاعها النفطي أمام رؤوس الأموال الأجنبية.
إذا أرادت المنطقة عكس مسار تراجعها، فإن ليبيا هي المفتاح.
هنالك رقم واحد يشي بالفرصة: قد تحقق حقول النفط الليبية نقطة التعادل حتى مع انخفاض أسعار النفط إلى 27 دولاراً للبرميل، وفقاً لشركة ”إنفيروس“.
تملك ليبيا أكبر احتياطيات من الهيدروكربونات في أفريقيا، متفوقةً بشكل ملحوظ على دول أخرى معروفة في القارة مثل نيجيريا وأنغولا.
لطالما جذبت البلاد، الشركات الأجنبية، وما تزال كثير منها تعمل هناك حتى اليوم، بما في ذلك شركات”ريبسول“ الإسبانية و“إيني“ الإيطالية و“كونوكو فيليبس“ الأمريكية و“توتال إنيرجيز“ الفرنسية.
إلا أن النشاط كان محدوداً جداً خلال العقد الماضي.
بعد الحرب الأهلية عام 2011، انقسمت البلاد إلى منطقتين شرقية وغربية، مع حكومتين متنافستين مدعومتين من شخصيات نافذة محلياً وجماعات مسلحة.
أدت الفوضى التي تلت ذلك إلى تثبيط الاستثمار؛ في عام 2025، لم يُحفر سوى 30 بئراً جديدة، بانخفاض عن مستويات ما قبل الحرب التي تراوحت بين 100 و200 بئر سنوياً.
تُعدّ جولة المزايدة لعام 2026 أوضح مؤشر على أن القطاع بدأ يتعافى. لكن ثمة مؤشرات إضافية، إذ تتحاور شركات أجنبية مع شركة النفط الوطنية لإعادة تشغيل آبار ظلت خاملة لسنوات.
وتظهر هنا وهناك مشاريع لإصلاح حقول النفط القائمة.
تحتاج ليبيا إلى كل الدعم الممكن لزيادة إنتاجها.
في العام الماضي، بلغ إنتاجها حوالي 1.3 مليون برميل يومياً، وهو أعلى بكثير من أدنى مستوى له منذ الحرب الأهلية، لكنه ما يزال أقل من ذروته الأخيرة البالغة 1.8 مليون برميل يومياً والتي سجلها عام 2008.
زيادة الإنتاج لا تعني الوصول إلى ذروة السبعينيات
حتى لو حققت الدولة الشمال أفريقية هدفها الطموح بزيادة الإنتاج اليومي إلى مليوني برميل بحلول عام 2030، فسيظل إنتاجها أقل بكثير من رقمها القياسي البالغ 3.5 مليون برميل الذي سجلته عام 1970، عندما كان إنتاج ليبيا يقارب إنتاج السعودية.
في الوقت الراهن، كل شيء يمثل فرصة سانحة. وسيكشف المستقبل وحده ما إذا كانت شركات النفط قادرة على اكتشاف احتياطيات جديدة وتطويرها إلى حقول نفط وغاز تجارية.
إلى جانب جولات المزايدة، تتفاوض كل من ليبيا والجزائر مباشرةً مع مستثمرين أجانب، منهم ”إكسون“ و“شيفرون“ و“توتال“، لعقد صفقات إضافية.
كما وقّعت شركتا ”بي بي“ و“شل“ اتفاقيات مبدئية في ليبيا لمساعدة البلاد على زيادة الإنتاج في ثلاثة من أكبر حقولها النفطية العاملة حالياً.
تتسم هذه الفرصة بميزة إضافية. حتى الآن، ركزت معظم عمليات استكشاف النفط والغاز في ليبيا على المكامن البرية التقليدية.
لكن المستثمرين الأجانب يعتقدون أن هناك عاملي جذب إضافيين.
أولهما، التنقيب في المياه العميقة للبحر الأبيض المتوسط، إذ اكتشفت شركات الطاقة بالفعل كميات كبيرة من الهيدروكربونات في مياه مصر وإسرائيل ولبنان وتركيا واليونان.
وثانيهما، التنقيب في التكوينات الجيولوجية الشبيهة بالصخر الزيتي الممتدة على طول الحدود بين ليبيا والجزائر، في حوض “غدامس بركين”.
قلةٌ من العاملين في سوق النفط يقدّرون الإمكانات غير المستغلة لشمال أفريقيا، بعد أن استبعدوا المنطقة منذ عام 2011.
كما هو الحال في فنزويلا، فإن العقبات التي تحول دون انتعاش الإنتاج أو ازدهاره في ليبيا والجزائر، تكمن جميعها فوق سطح الأرض، من عدم استقرار سياسي، وخطر اضطرابات عنيفة، وتداعيات سنوات من الإهمال الاقتصادي.
لكن تحت سطح الأرض، يكمن بحرٌ من النفط والغاز ينتظر استغلاله.








