في ظل سعي الدولة المصرية إلى تطوير أسواق المال، وتعميق أدوات إدارة المخاطر، يبرز الحديث عن إدخال وتداول المشتقات المالية بوصفها أداة حديثة تُستخدم عالمياً للتحوط من تقلبات الأسعار، وأسعار الفائدة، والعملات، والسلع.
غير أن السؤال الأهم الذي ينبغي طرحه ليس: هل نحتاج إلى المشتقات؟ بل: ما الذي نحتاجه تحديداً من المشتقات؟.
المشتقات المالية: أداة أم فلسفة؟
في أصلها النظري، لم تُنشأ المشتقات المالية للمضاربة، وإنما لإدارة المخاطر المرتبطة بالإنتاج والتجارة والاستثمار. لكن التجربة الدولية أثبتت أن هذه الأدوات، حين تنفصل عن الاقتصاد الحقيقي، تتحول من وسيلة تحوط إلى مصدر عدم استقرار؛ وهو ما شهدته الأسواق العالمية في أكثر من أزمة مالية.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام أي اقتصاد ناشئ لا يكمن في استيراد الأداة بصورتها الغربية الكاملة، بل في تحقيق وظائفها المشروعة بأقل قدر ممكن من المخاطر النظامية، وبما يتلاءم مع طبيعة الاقتصاد المحلي.
البدائل الإسلامية: ليست رفضاً.. بل إعادة تصميم
على عكس الاعتقاد الشائع، لا تقف المالية الإسلامية موقف الرفض المطلق من التحوط أو إدارة المخاطر، بل ترفض فقط الوسائل القائمة على المراهنة البحتة، أو تداول المخاطر ذاتها كسلعة مستقلة عن النشاط الاقتصادي الحقيقي.
وفي المقابل، تقدم المالية الإسلامية مجموعة من العقود والآليات التي تحقق الأهداف العملية ذاتها التي تُنسب إلى المشتقات، ولكن من خلال ارتباط مباشر بالإنتاج والتجارة، والتزام حقيقي بالتسليم أو الأداء، وتوزيع واقعي للمخاطر لا نقلها الوهمي، وتقليل الاعتماد على الرافعة المالية والمضاربات.
كيف يمكن تحقيق التحوط دون مشتقات؟
هناك أدوات إسلامية معروفة تاريخياً ومعاصرة في تطبيقاتها يمكن تفعيلها ضمن الإطار التنظيمي المصري، من أبرزها:
- عقود السَّلَم: لتثبيت أسعار السلع الزراعية والمواد الأولية مستقبلاً، مع تمويل المنتج مسبقاً، وهو ما يحقق التحوط لكل من المنتج والمشتري.
- الاستصناع: لإدارة مخاطر التكلفة والمدة في المشروعات الصناعية والإنشائية.
- عقود التوريد طويلة الأجل: لتثبيت الأسعار والكميات في سلاسل الإمداد.
- هياكل التحوط التجارية: القائمة على الوعد المنضبط داخل إطار تعاقدي حقيقي، لا تسويات نقدية على فروق أسعار.
الميزة الجوهرية لهذه الأدوات أنها لا تُتداول في أسواق ثانوية، ولا تنتهي إلى مراهنات على الأسعار، بل ترتبط دائماً بسلعة أو خدمة أو إنتاج فعلي.
تصميم منتجات تحوط إسلامية: خيار عملي لا تنظير نظري
من المهم التأكيد على أن الحديث عن بدائل إسلامية للمشتقات لا يقتصر على عقود تقليدية بصيغها الفقهية المجردة، بل يمتد إلى إمكانية تصميم منتجات مالية حديثة تستند إلى هذه العقود، وتُبنى بالتعاون بين الجهات التنظيمية، والمؤسسات المالية، والخبراء الشرعيين، والمتخصصين في إدارة المخاطر.
فالمنتج المالي في جوهره ليس عقداً واحداً، بل هيكل هندسي يمكن إعادة تصميمه لتحقيق وظيفة اقتصادية محددة، مع الالتزام بضوابط قانونية وتنظيمية واضحة؛ وهو ما يفتح الباب أمام ابتكار أدوات تحوط متوافقة مع الشريعة، دون الحاجة إلى استنساخ نماذج المشتقات التقليدية بكل ما تحمله من تعقيد ومخاطر.
تجارب دولية سبقتنا في هذا المسار
تشير تجارب عدد من الدول إلى أن هذا المسار ليس افتراضياً، بل مُطبَّق بالفعل بدرجات متفاوتة:
- ماليزيا: طوّرت هياكل تحوط قائمة على السَّلَم والاستصناع والوعد المنضبط، تُستخدم فعلياً في تمويل السلع والطاقة، دون إنشاء أسواق مشتقات مستقلة.
- السودان: اعتمد تاريخياً على صيغ السَّلَم كأداة رئيسية للتحوط في السلع الزراعية، وربط التمويل بالإنتاج الحقيقي.
- دول الخليج: استخدم بعضها عقود التوريد طويلة الأجل وهياكل تحوط داخل المصارف الإسلامية بدلاً من المشتقات النقدية، بجانب مؤسسات مالية إسلامية دولية طوّرت أطر تحوط تُدار داخل الميزانيات، دون تداول المخاطر في أسواق ثانوية.
فرصة أمام المؤسسات المالية المصرية للتطوير المشترك
تمتلك المؤسسات المالية العاملة في السوق المصرية فرصة حقيقية للقيام بدور فاعل في تطوير أدوات تحوط متوافقة مع الشريعة، من خلال التعاون المنهجي مع لجان الرقابة الشرعية المعتمدة، والهيئات الرقابية، وجمعيات التمويل الإسلامي، إلى جانب الخبرات الفنية في إدارة المخاطر والهندسة المالية.
إن الانتقال من مرحلة النقاش إلى مرحلة التصميم المشترك يتيح صياغة أدوات تحوط واضحة الهيكل، ومحددة المخاطر، ومفهومة للمؤسسات والمتعاملين، بما يقلل من التعقيد التشغيلي، ويعزز ثقة السوق في هذه المنتجات منذ لحظة طرحها.
لماذا يهم هذا صانع القرار؟
الاهتمام بالبدائل الإسلامية لا يرتبط فقط باعتبارات دينية، بل يحقق مكاسب تنظيمية واقتصادية واضحة، من أهمها: تقليل المخاطر النظامية، والحد من الفقاعات السعرية، وتعزيز ارتباط التمويل بالاقتصاد الحقيقي، وجذب شريحة أوسع من المستثمرين، ودعم الاستقرار المالي طويل الأجل.
الخلاصة، مصر لا تحتاج إلى استنساخ المشتقات بقدر ما تحتاج إلى تحقيق أهدافها المشروعة مثل إدارة المخاطر، ودعم الاستثمار، واستقرار الأسواق. فالمالية الإسلامية، إذا أُحسن توظيفها، لا تمثل عائقاً أمام هذا الهدف، بل قد تكون أحد مفاتيحه الأساسية.








