مع استمرار البنك المركزى المصرى فى تخفيض أسعار الفائدة واتباع سياسة التيسير النقدي، تتجه البنوك إلى إعادة ترتيب أولويات منح التمويل، مع التركيز على دعم القطاعات الإنتاجية الحيوية، على حساب القروض الاستهلاكية الموجهة للأفراد.
ويأتى هذا التوجه فى إطار إستراتيجية تستهدف تعزيز النمو الاقتصادى، وزيادة الإنتاج المحلى، ورفع القدرة التنافسية للقطاع الصناعى، مع الحفاظ على استقرار معدلات التضخم وتجنب أى ضغوط تضخمية قد تنجم عن التوسع غير المنضبط فى الاقتراض الاستهلاكى.
وخفضت لجنة السياسة النقدية فى البنك المركزى المصرى أسعار الفائدة بواقع 100 نقطة أساس خلال أول اجتماع لها فى 2026، ليصل سعر الإيداع والإقراض وسعر العملية الرئيسية إلى 19%، و20%، و19.5% على التوالى.
وتوقع خبراء مصرفيون أن يشهد العام الجارى نمواً أكبر فى التمويل الموجه للشركات والمشروعات الإنتاجية الكبرى، فى حين سيظل الطلب على القروض الاستهلاكية محدوداً نسبياً بفعل سلوك الادخار التحوطى لدى الأسر.
أوضح الخبراء أن القروض الاستهلاكية توفر دعماً قصير الأجل لتلبية الطلب الفوري، لكنها أقل تأثيراً على النمو الهيكلى مقارنة بالتمويل الإنتاجي.
وأشاروا إلى أن الشركات الكبرى ستكون الأسرع فى الحصول على موافقات طلباتها الائتمانية من قبل البنوك، بينما تحتاج المشروعات الصغيرة والمتوسطة إلى مبادرات تمويلية وضمانات داعمة لتحقيق أثر ملموس.
«أبوالخير»: القروض الإنتاجية المحرك الأكثر استدامة للنمو بعد خفض الفائدة
وقال أحمد أبوالخير، الخبير المصرفي، إن القروض الإنتاجية الموجهة للشركات تمثل المحرك الأكثر فاعلية واستدامة للنمو الاقتصادى فى مرحلة ما بعد خفض أسعار الفائدة، لما لها من دور مباشر فى دعم الاستثمار وزيادة الإنتاج ورفع الطاقة التشغيلية.
وأضاف أن انخفاض تكلفة التمويل يسهم فى تحسين الجدوى الاقتصادية للمشروعات الصناعية والزراعية خلال 2026، ويشجع الشركات على التوسع فى خطوط الإنتاج أو تحديث المعدات، بما يعزز قدرتها التنافسية.
فى المقابل، أشار «أبوالخير» إلى أن القروض الاستهلاكية تحفز الطلب الفورى على السلع المعمرة والخدمات، لكنها قد تحمل مخاطر تضخمية حال التوسع فيها بوتيرة غير منضبطة، فضلاً عن محدودية أثرها التنموى مقارنة بالتمويل الإنتاجى القادر على توليد دخول مستقبلية وتقليص فجوة الميزان التجارى.
ورغم ذلك، توقع «أبوالخير» أن تحقق القروض الاستهلاكية، مثل قروض السيارات والسلع المعمرة والتمويل الشخصى، نمواً نسبياً خلال الفترة المقبلة، فإن هذا النمو سيظل محكوماً بعدة اعتبارات، فى مقدمتها استمرار المخاوف التضخمية لدى الأسر، واتجاه شريحة من الأفراد إلى الادخار التحوطى.
وأكد أن خفض أسعار الفائدة يمثل عاملاً داعماً لقرارات التوسع والاستثمار، من خلال تقليص تكلفة رأس المال وتحسين العائد المتوقع على المشروعات الجديدة، مع مراعاة وضوح آفاق الطلب المحلى، واستقرار أسعار مدخلات الإنتاج، وتوافر النقد الأجنبى للأنشطة كثيفة الاستيراد.
أوضح «أبوالخير» أن الشركات الكبرى ستكون الأوفر حظاً للاستفادة؛ نظراً إلى ما تتمتع به من ملاءة مالية أعلى وقدرة أفضل على الوصول إلى مصادر التمويل، فضلاً عن إمكانية إعادة هيكلة مديونياتها بشروط أكثر ملاءمة.
بينما تعتمد استفادة الشركات الصغيرة والمتوسطة على سياسات البنوك الائتمانية، ومستوى المخاطر، وتوافر الضمانات، ما قد يحد من وتيرة نمو التمويل الموجه إليها، خاصة إذا لم يتم تفعيل برامج تمويل مخصصة أو آليات ضمان ائتمانى داعمة.
ولفت إلى أن البنك المركزى يراهن على نجاح البنوك فى تحقيق التوازن بين نمو الائتمان والحفاظ على جودة الأصول، ما يحتم عليها انتهاج سياسات منح أكثر انتقائية، وتعزيز أدوات التقييم الائتماني.
«وجيه»: تحسن الطلب الاستهلاكى مؤقت.. والإنتاج أساس النمو طويل الأجل
وقالت شيماء وجيه، الخبيرة المصرفية، إن الاقتصاد مرشح لتحقيق تحسن مبدئى فى معدلات النمو خلال الفترة المقبلة، مدفوعاً بارتفاع الطلب الاستهلاكى نتيجة انخفاض تكلفة الاقتراض، لكن هذا التحسن سيكون محدودَ الأثر وغير مستدام.
وأضافت أن الأنشطة الإنتاجية تمثل المحرك الحقيقى للنمو طويل الأجل، لما لها من دور فى زيادة الطاقة الإنتاجية، وتعزيز الصادرات، وتقليل الاعتماد على الواردات، مؤكدة أن النمو الأكثر استقراراً وتأثيراً هو القائم على التوسع فى الاستثمار والإنتاج.
وقالت «وجيه»، إن شهية الأفراد للاقتراض قد تتحسن تدريجياً مع تراجع أسعار الفائدة، خصوصاً فيما يتعلق بالقروض الاستهلاكية والتمويل العقارى متوسط الأجل، لكن هذا التحسن سيظل مقيداً بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة وتجارب التضخم السابقة.
وأضافت أن استفادة الشركات الكبرى ستظل أكبر على المدى القصير، بينما ستتحقق استفادة الشركات الصغيرة والمتوسطة تدريجيًا، خاصة إذا تزامن خفض الفائدة مع إطلاق مبادرات تمويل موجهة وضمانات ائتمانية داعمة.
وعلى مستوى القطاعات، أظهرت المؤشرات الأولية أن القطاعات الأكثر اعتماداً على التمويل المصرفى تشمل الصناعة التحويلية والتصديرية، وقطاع الطاقة الجديدة والمتجددة، والقطاع الزراعى والغذائى، إلى جانب شركات التكنولوجيا المالية والخدمات الرقمية.
وقال أحمد النعمانى، الخبير المصرفي، إن القروض الاستهلاكية قد تشهد نشاطاً أسرع نسبياً على المدى القصير، لكنها لا تُضاهى القروض الإنتاجية فى تأثيرها على التوسع فى الإنتاج وتعزيز سلاسل الإمداد المحلية، ما يجعل أثرها أعمق وأكثر استدامة.
وأضاف أن تحسن القروض الاستهلاكية سيكون محدوداً، ولن يصل إلى مستوى الطفرة الكاملة، مشيراً إلى أن خفض أسعار الفائدة يسهم فى تقليص عبء الأقساط وتشجيع الأفراد على الاقتراض، لكن مخاوف التضخم وسلوك الادخار التحوطى لا تزال قائمة بقوة.
ولفت إلى أن خفض الفائدة يمثل عاملاً محفزاً مهمًا، لكنه ليس الحاسم الوحيد، حيث تنظر الشركات إلى مجموعة أوسع من المتغيرات، أبرزها قوة الطلب المحلي، وتكلفة مدخلات الإنتاج، واستقرار السياسات الاقتصادية.
وأكد أن استفادة الشركات الصغيرة والمتوسطة ستتحقق تدريجياً، خصوصاً إذا تزامن خفض الفائدة مع مبادرات تمويل موجهة وضمانات داعمة، متوقعاً نشاط قطاعات محددة على رأسها الخدمات اللوجستية والاقتصاد الرقمي، نظراً إلى توافقها مع توجه الدولة لتعميق الإنتاج المحلى وتقليل الاعتماد على الواردات.
وأضاف أن البنوك تعتمد على أدوات متعددة تشمل إعادة هيكلة التمويلات، وربط التسعير بمستوى المخاطر، والتوسع فى التمويل متوسط وطويل الأجل، بما يحقق توازناً مستداماً بين دعم النمو والحفاظ على جودة الأصول.
وقال أحمد شوقى، الخبير المصرفى، إن القروض الإنتاجية تعزز النمو الحقيقى للناتج المحلي، بينما توفر القروض الاستهلاكية دفعة قصيرة الأجل للطلب المحلى وأثراً محدوداً على النمو الهيكلى وأكثر حساسية للتضخم.
«الدماطى»: الأغذية والاتصالات ومواد البناء تتصدر طلبات الائتمان
من جانبها، ترى سهر الدماطى، الخبيرة المصرفية، أن قطاعات المواد الغذائية والاتصالات ومواد البناء هى الأكثر طلباً على التسهيلات الائتمانية، تليها القروض الاستهلاكية، ثم شركات تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
وأوضحت أن القروض الاستهلاكية تلعب دوراً ثانوياً، لكنها تسهم فى تعزيز القطاعات الإنتاجية، مثل العقارات والسلع الاستهلاكية المحلية، حيث يؤدى ارتفاع الطلب إلى تحسين إيرادات الشركات ونمو القطاع الصناعي.
وأكدت «الدماطى»، أن خفض الفائدة سيشجع جميع الشركات، بمختلف أحجامها، على الاقتراض، مع مراعاة أن المخاطر على الشركات الصغيرة أعلى قليلاً رغم دعم الدولة، مشددة على ضرورة تغطية كافة مخاطر الائتمان عبر دراسة شاملة لمؤهلات العميل المالية، وتحليل الصناعة والمنتجات، والاتجاهات المستقبلية.
وقال أيمن سليمان، الخبير المصرفى، إن الائتمان الاستهلاكى قد يبدو أسرع فى النمو، لكن البنوك تشدد معايير المنح الائتمانى نسبياً لتفادى مخاطر التعثر، خاصة بعد تأثير التضخم التراكمى على قدرة الأفراد المالية.
وأضاف أن الشركات الكبرى تمتلك خيارات تمويلية متعددة، على عكس الشركات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر، التى تكون أكثر حساسية لأى زيادة فى تكلفة الإقراض.
وتوقع أن تكون قطاعات التطوير العقارى والإنشاءات، والصناعات التحويلية والثقيلة، والطاقة المتجددة والاتصالات، هى الرابح الأكبر والأسرع استجابة ضمن القروض الإنتاجية بعد خفض أسعار الفائدة.







