قادة “بريكس+” أعربوا عن رفض متزايد لاستمرار الهيمنة المطلقة للدولار على التجارة الدولية
تتزايد التساؤلات حول ما إذا كانت دول “بريكس” المكونة من البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، قادرة على إطلاق عملة مشتركة يمكن أن تشكل تحدياً لمكانة الدولار الأمريكي المهيمنة على الاقتصاد العالمي.
ويُنظر إلى هذه الفكرة على نطاق واسع باعتبارها صعبة التحقق، خصوصاً عند مقارنتها بالمعايير التاريخية التي صاحبت نشوء العملات الاحتياطية الدولية الكبرى.
تاريخياً، يتطلب صعود أي عملة احتياطية رئيسية وجود حساب رأسمالي قابل للتحويل بالكامل، بما يسمح للمستثمرين المحليين والدوليين بحرية تدفق رؤوس الأموال إلى داخل الدولة المصدرة وخارجها في أي وقت.
أما في حالة العملة المشتركة، كما هو الحال مع اليورو، فيستلزم الأمر إنشاء بنك مركزي موحد، ما يعني تخلي البنوك المركزية الوطنية عن جزء كبير من استقلاليتها، بما في ذلك قدرتها على رسم السياسة النقدية وفقاً لظروفها وأولوياتها المحلية.
في هذا السياق، تبدو فكرة إطلاق عملة موحدة لدول “بريكس+”، التي تضم حالياً 10 أعضاء، محفوفة بتحديات كبيرة.
فالتنازل عن استقلالية البنوك المركزية أو رفع القيود عن حركة رؤوس الأموال يمثل عقبة رئيسية، لا سيما بالنسبة لدول كبرى مثل الهند والصين، بحسب ما ذكره موقع “بروجكت سنديكيت”.
وتُعد محدودية الاستخدام الدولي لليوان الصيني مثالاً واضحاً على ذلك، إذ يرتبط هذا الأمر باختيار السلطات الصينية الإبقاء على ضوابط صارمة على حركة رأس المال.
ورغم هذه العقبات، برزت في الأشهر الأخيرة مؤشرات تدفع إلى إعادة النظر في إمكانية تطوير بدائل للدولار.
فقد عبر الرئيس الصيني شي جين بينج، عن اهتمام متزايد بتعزيز دور اليوان كعملة احتياط عالمية، في حين أعلن عدد من قادة “بريكس+” رفضهم لاستمرار هيمنة الدولار على النظام المالي الدولي.
وتدرك الدوائر الاقتصادية في هذه الدول الخلفيات التاريخية والنظرية المتعلقة بتطور النظام النقدي العالمي.
إلى جانب ذلك، أسهمت السياسات الأمريكية خلال السنوات الأخيرة في إثارة تساؤلات حول مستقبل الدولار.
فقد اتسمت هذه السياسات بتوترات مع المؤسسات المالية الدولية، وبالاعتماد المكثف على الرسوم الجمركية تحت شعار “أمريكا أولاً”، ما أدى إلى تراجع قيمة الدولار نسبياً.
في المقابل، اتجهت دول عديدة، بما في ذلك حلفاء تقليديون للولايات المتحدة، إلى تعزيز شراكاتها التجارية فيما بينها عبر اتفاقات جديدة، شملت اتفاقات بين كندا والصين، والاتحاد الأوروبي ودول “ميركوسور”، إضافة إلى مسارات تعاون بين الاتحاد الأوروبي والهند.
ورغم أن الولايات المتحدة لا تزال تمثل نحو 25% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، فإن النسبة المتبقية، البالغة 75%، تعكس وزناً اقتصادياً كبيراً لبقية دول العالم.
كما أعادت هذه التطورات طرح سؤال جوهري حول مدى ضرورة حرية حركة رؤوس الأموال لنجاح العملات الاحتياطية الكبرى.
فمن منظور تاريخي واسع، لم تصبح حرية تدفقات رأس المال شرطاً أساسياً إلا بعد انهيار نظام “بريتون وودز” بين عامي 1971 و1973.
“اليورو” برز كنموذج لنجاح العملة المشتركة دون تحول كامل إلى عملة احتياط عالمية
ويُظهر اليورو مثالاً على إمكانية نجاح العملة المشتركة في تسهيل التبادل بين الدول الأعضاء، حتى وإن لم يتحول بالكامل إلى عملة احتياط عالمية، وهو ما يعود جزئياً إلى اعتبارات سياسية واقتصادية داخل منطقة اليورو نفسها.
في هذا الإطار، تبرز فرضية إمكانية تطوير عملة مشتركة لدول “بريكس+” تُستخدم أساساً في تسوية التجارة البينية دون الحاجة إلى تحرير كامل للحسابات الرأسمالية، وقد يتطلب هذا النموذج في مراحله الأولى الاعتماد على سلة من عملات الدول الأعضاء، موزونة وفقاً لأحجام اقتصاداتها.
ورغم تعقيد هذه الآلية، فإنها قد تشكل خطوة داعمة لتوسيع التجارة داخل تكتل “بريكس+”.
في الوقت نفسه، يثير التوسع في العملات الرقمية والعملات المستقرة المقومة بالدولار نقاشاً واسعاً حول مستقبل النظام النقدي العالمي.
فبينما يرى البعض أن هذه الأدوات قد تعزز هيمنة الدولار، يشير آخرون إلى أن التقنيات نفسها يمكن أن تتيح لدول “بريكس+” تطوير أنظمة دفع بديلة لتسوية معاملاتها التجارية بعيداً عن الدولار.
وبين هذه المعطيات المتشابكة، يبقى السؤال مطروحاً حول ما إذا كانت عملة “بريكس” تمثل خياراً قابلاً للتنفيذ، أم أنها ستظل فكرة نظرية تصطدم بتعقيدات الواقع الاقتصادي والسياسي العالمي؟
هذا ما يمكن معرفته في أقرب وقت ممكن.







