آثار قرار زيادة أسعار المحروقات فجر الثلاثاء، توقعات بارتفاع تكاليف التشييد والبناء، في ظل اعتماد القطاع العقاري بدرجة كبيرة على الوقود في عمليات نقل مواد البناء وتشغيل المعدات الثقيلة، إلى جانب تأثيره غير المباشر على تكلفة إنتاج مدخلات البناء.
ويرى مطورون وخبراء عقاريون، تحدثوا لـ”البورصة”، أن الزيادة الجديدة ستنعكس على أسعار الوحدات العقارية، مع توقعات بارتفاعها بنسب تتراوح بين 15% و20%.
وتتجه غالبية الشركات إلى مراجعة أسعار المشروعات وإعادة تسعير الوحدات لمواكبة الزيادة في التكاليف، وسط مخاوف من ضغوط إضافية على القدرة الشرائية للعملاء واحتمالات تباطؤ حركة المبيعات.
فكري: الشركات تعيد حاليا تسعير المشروعات لمواكبة زيادة التكاليف
قال المهندس علاء فكري، رئيس مجلس إدارة شركة بيتا للتطوير العقاري، إن زيادة أسعار المحروقات سترفع تكلفة نقل الخامات ومواد البناء، ما يرفع بدوره أسعار مدخلات الإنتاج ومنها الحديد والأسمنت وغيرها من العناصر الأساسية في عملية البناء.
أضاف أن الزيادة المتوقعة في تكاليف تنفيذ المشروعات قد تصل مبدئيًا إلى 15%، مع احتمالية ارتفاعها أكثر وفقًا لتطورات الأوضاع الاقتصادية وأسعار الطاقة خلال الفترة المقبلة.
وأشار فكري، إلى أن ارتفاع التكاليف قد يفرض ضغوطًا على السوق العقاري، خاصة في ظل محدودية القدرة الشرائية للعملاء، لافتًا إلى أن المستهلك يتحمل بالفعل أعباء ارتفاع أسعار المواصلات والسلع الأساسية، ما قد يؤدي إلى تباطؤ في حركة المبيعات.
وأوضح أن الشركات العقارية بدأت بالفعل مراجعة أسعار الوحدات وإعادة تسعير المشروعات لمواكبة الزيادة في التكاليف، مؤكدًا أن المطورين يضطروا لتحمل الزيادات في تكلفة التنفيذ وتمريرها إلى شركات المقاولات لضمان استمرار العمل بالمشروعات.
وتوقع فكري أن تشهد السوق حالة من الركود التضخمي، تتمثل في ارتفاع الأسعار مقابل تباطؤ المبيعات، مشيرًا إلى أن التوترات الجيوسياسية وعدم وضوح الرؤية الاقتصادية قد تؤثر أيضًا على قرارات الشراء لدى بعض العملاء، خاصة العاملين في الخارج، وهو ما قد ينعكس على حركة الطلب في السوق العقاري.
سامى: بعض المطورين يتجهون إلى تقليل مساحات الوحدات لتخفيف الأعباء
وقال أيمن سامي، مدير “مكتب جي إل إل” للاستشارات العقارية، إن قرار زيادة أسعار المحروقات سيؤثر بشكل غير مباشر على السوق العقاري، من خلال ارتفاع معدلات التضخم وزيادة تكلفة البناء والنقل والخامات، وهو ما قد ينعكس في النهاية على أسعار الوحدات العقارية خلال الفترة المقبلة.
أضاف أن زيادة أسعار الوقود كانت متوقعة إلى حد كبير، مشيرًا إلى أن تأثيرها لن يكون بنفس حدة الزيادات التي أعقبت تحرير سعر الصرف قبل عامين، لكنه سيؤدي إلى ارتفاعات تدريجية في التكلفة.
وأوضح سامي، أن ارتفاع أسعار المحروقات ينعكس على مختلف عناصر العملية الإنشائية، بدءا من النقل والمواصلات وصولا إلى مواد البناء، وهو ما يرفع التكلفة الإجمالية للمشروعات العقارية، متوقعا أن تشهد أسعار العقارات زيادة تصل إلي 15% خلال الفترة المقبلة، لكنها ستكون ضمن الزيادات الطبيعية التي اعتاد عليها السوق خلال السنوات الماضية.
وأشار إلى أن التحدي الأكبر الذي يواجه المطورين حاليا لا يتمثل فقط في زيادة التكلفة، وإنما في ضعف القدرة الشرائية للعملاء، وهو ما يدفع الشركات إلى التوسع في تقديم أنظمة سداد طويلة الأجل لتتناسب مع مستويات الدخول الحالية.
أكد سامي، أن العديد من الشركات بدأت منذ فترة تمديد فترات التقسيط وتقديم تسهيلات بيعية للحفاظ على معدلات المبيعات في ظل الضغوط الاقتصادية، موضحا أن المطورين لا يملكون خيار التوقف عن البيع أو تأجيل الطروحات، خاصة أن الشركات لديها التزامات كبيرة تتعلق بتسليم المشروعات التي تم بيعها خلال السنوات الماضية، إلى جانب ارتفاع تكاليف التنفيذ بعد التعويم.
أضاف أن الشركات العقارية تتبنى حاليًا عدة استراتيجيات للتعامل مع التضخم وارتفاع التكاليف، من بينها خفض الأعباء التشغيلية، وزيادة وتيرة المبيعات، وتقديم عروض للكاش لتحسين السيولة.
كما أن بعض المطورين يتجهون إلى تقليل مساحات الوحدات لتخفيف أثر ارتفاع الأسعار على العملاء، بالإضافة إلى تعديل سياسات الشراء والتعاقد على كميات كبيرة من الخامات للتحوط ضد زيادات الأسعار.
وأشار إلى أن المطورين يواصلون البحث عن حلول مختلفة للحفاظ على استقرار المبيعات واستمرار تنفيذ المشروعات، في ظل التحديات الاقتصادية الحالية.
يوسف: السولار عنصر أساسي في نقل الخامات وتشغيل محطات الخرسانة
وقال شمس الدين يوسف، رئيس مجلس إدارة شركة الشمس للمقاولات، إن قرار زيادة أسعار المحروقات سيؤدي إلى ارتفاع ملحوظ في تكاليف التشييد والبناء، نتيجة الاعتماد الكبير لقطاع المقاولات على الوقود، خاصة السولار، في مختلف مراحل تنفيذ المشروعات.
أضاف أن قطاع التشييد يعتمد بشكل أساسي على عمليات النقل، بداية من نقل مواد البناء إلى مواقع التنفيذ وحتى تشغيل المعدات الثقيلة، وهو ما يجعل أي زيادة في أسعار الوقود تنعكس مباشرة على تكلفة المشروعات.
وأوضح يوسف ، أن السولار يمثل عنصرا أساسيا في تشغيل المعدات والآلات المستخدمة في مواقع البناء، وكذلك في عمليات نقل الخامات مثل الحديد والأسمنت والرمل والسن، فضلا عن تشغيل الكسارات ومحطات الخرسانة الجاهزة.
والخرسانة بشكل عام والأسمنت على وجه الخصوص، من أكثر مواد البناء المتوقع تأثرها بزيادة أسعار الوقود، نظرًا لاعتماد إنتاجهما ونقلهما على المعدات والآلات التي تعمل بالسولار، متوقعا أن تشهد تكلفة مواد الخرسانة زيادات بين 10 ـ 12%، مع ارتفاع تكاليف النقل والشحن.
أضاف يوسف، أن تأثير الزيادة لا يقتصر فقط على السوق المحلي، بل يرتبط أيضا بارتفاع تكاليف الشحن والتأمين عالميًا نتيجة التوترات الجيوسياسية، ما ينعكس على تكلفة استيراد بعض المواد والمكونات المستخدمة في قطاع البناء.
وفيما يتعلق بمدى قدرة شركات المقاولات على تحمل هذه الزيادات، أشار يوسف إلى أن الأمر يعتمد على بنود التعاقد بين المقاول والمطور العقاري، إذ قد تتحمل بعض الشركات جزءا من التكلفة حال عدم وجود بنود تعويض واضحة في العقود.
وأكد أن شركات المقاولات تواجه ضغوطا كبيرة في ظل ارتفاع تكاليف التنفيذ، لافتا إلى أن بعض الشركات تضطر إلى تسييل أصول أو بيع ممتلكات للاستمرار في تنفيذ المشروعات والوفاء بالتزاماتها التعاقدية.
أما المطور العقاري فيمتلك في النهاية أصلا عقاريا تزداد قيمته بمرور الوقت، بينما يتحمل المقاول الجزء الأكبر من ضغوط التكلفة خلال مراحل التنفيذ.
وتابع: “زيادة التكلفة لا تعني بالضرورة حدوث ركود في السوق العقاري، لكنها ستؤدي إلى ارتفاع تكلفة التنفيذ وهو ما قد ينعكس تدريجيا على أسعار الوحدات العقارية”.
وشدد على ضرورة إيجاد آليات أكثر مرونة لدعم شركات المقاولات، خاصة فيما يتعلق بتطبيق قوانين التعويضات بما يضمن تعويض الشركات بشكل عادل عن الزيادات الكبيرة في تكاليف التنفيذ.
شلبي: الاحتفاظ بمخزون من الوحدات يمثل أحد أهم أدوات إدارة المخاطر
وقال معتز شلبي، الخبير العقاري، إن زيادة أسعار المحروقات ستنعكس بشكل مباشر على القطاع العقاري، في ظل ارتباط الوقود بمعظم عناصر دورة العمل في مختلف الأنشطة الاقتصادية، بما في ذلك قطاع التشييد والبناء.
أضاف ان ارتفاع أسعار الوقود يؤدي تلقائيا إلى زيادة تكاليف العديد من المدخلات، مثل مواد البناء والنقل والخدمات اللوجستية، وهو ما يرفع التكلفة الإجمالية للمشروعات العقارية.
أوضح شلبي أن استمرار هذه الزيادات قد يدفع أسعار العقارات للارتفاع بنسبة تتراوح بين 15% و20% خلال الفترة المقبلة، خاصة إذا استمرت الضغوط التضخمية الحالية، مشيرا إلى أن السوق كان يتوقع نوعا من إعادة ضبط الأسعار خلال العام الحالي، في ظل تراجع سعر الدولار مقارنة بالمستويات التي وصل إليها سابقا، لكن زيادة أسعار المحروقات قد تعيد الضغوط على تكاليف التطوير العقاري وتؤثر على اتجاهات التسعير.
وأكد شلبي أن هذه التطورات قد تؤدي أيضا إلى تباطؤ نسبي في حركة المبيعات، نتيجة تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة.
فبعض المطورين قد يتجهون إلى تقليل فترات السداد بدلا من رفع الأسعار، بحيث يتم الحفاظ على سعر الوحدة عند المستوى نفسه مع تقليص مدة التقسيط، وهو ما يسمح للشركات بتعويض جزء من التكلفة من خلال تقليل تكلفة التمويل.
وأضاف أن الحل الأكثر توازنا يتمثل في تنويع أنظمة السداد، بحيث توفر الشركات خيارات متعددة للعملاء؛ فهناك من يفضل سعرا أقل مع فترة سداد أقصر، بينما يفضل آخرون سداد الأقساط على فترات أطول حتى لو كان السعر أعلى.
وأكد شلبي أن احتفاظ الشركات العقارية بمخزون من الوحدات غير المطروحة للبيع يمثل أحد أهم أدوات إدارة المخاطر في ظل تقلبات أسعار الصرف وارتفاع تكاليف الطاقة، إذ يتيح ذلك للمطورين إعادة تسعير جزء من المشروعات بما يعوض أي زيادة في التكلفة.
وشدد على أهمية أن تتجنب الشركات بيع كامل المشروع دفعة واحدة، وأن تعتمد على الطرح المرحلي للمشروعات، بما يمنحها مرونة أكبر في التعامل مع المتغيرات الاقتصادية المفاجئة.








