يتجه عدد من الشركات العقارية، نحو تعزيز منظومات التشغيل الاحترافي باعتبارها امتدادًا طبيعيًا لعملية البناء، وأحد العوامل التي تعزز من رفع قيمة المشروع وضمان توطيد الثقة بينها وبين العملاء.
ويرى خبراء القطاع، أن الإدارة المتخصصة بعد التسليم لم تعد خيارًا تنظيميًا، بل ضرورة اقتصادية لضمان استدامة المشروعات وتعظيم العائد الاستثماري طويل الأجل.
قال هاني العسال، وكيل غرفة التطوير العقاري، إن إدارة المشروعات بعد التسليم أصبحت عنصرًا حاسمًا في نجاح القطاع العقاري، مشيرًا إلى أن مرحلة التشغيل لا تقل أهمية عن مرحلة البناء نفسها.
وأضاف لـ”البورصة”، أن المطور العقاري قد يواجه صعوبات كبيرة بعد تسليم المشروع إذا لم تتوافر منظومة إدارة احترافية، مؤكدًا أن البناء يحتاج إدارة. والاتجاه الحديث في السوق يدفع المطورين إلى تأسيس شركات إدارة متخصصة بجانب تنفيذ المشروعات أو الاستعانة بجهات متخصصة. فالإدارة الاحترافية تمثل ركيزة أساسية للحفاظ على جودة المشروعات وقيمتها السوقية بعد التسليم.
وفيما يتعلق بالربح، أوضح العسال أن شركات الإدارة لا تستهدف تحقيق أرباح مباشرة، بل تهدف في الأساس إلى الحفاظ على كفاءة المشروع واستدامته التشغيلية، مشيرًا الي أن منظومة الإدارة تضم أربعة قطاعات رئيسية لا غنى عنها، تشمل الأمن، والزراعة، والنظافة، وصيانة المرافق من مياه وكهرباء.
وأشار إلي أن منظومة التشغيل والإدارة توفر مئات فرص العمل، إذ يعمل موظفون ضمن فرق الإدارة والصيانة، ما يسهم في دعم التشغيل والحد من البطالة، مؤكدًا أهمية إدارة الموارد البشرية نظرًا لارتفاع معدلات التغيير داخل فرق العمل.
وأشاد العسال بتجربة رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى في تطوير المدن السكنية المتكاملة، مشيرًا إلى أن مشروع مدينتي يمثل نموذجًا متقدمًا لإدارة المدن الحديثة في المنطقة العربية، لما يوفره من منظومة تشغيل متكاملة تعتمد على إدارة احترافية وبنية تنظيمية واسعة النطاق.
فكري: التحدي الأكبر بعد التسليم يرتبط بثقافة “مصاريف الصيانة”
وقال علاء فكري، رئيس مجلس إدارة شركة بيتا للتطوير العقاري، إن التحدي الأكبر الذي يواجه المطورين في مرحلة ما بعد تسليم المشروعات لا يرتبط بغياب الشركات المتخصصة بقدر ما يرتبط بثقافة مجتمعية متوارثة تجاه مصاريف الصيانة الدورية.
أضاف أن شريحة واسعة من العملاء تنظر إلى شراء الوحدة السكنية باعتباره الدفعة المالية الأخيرة، وترفض تحمل أي أعباء لاحقة، رغم أن العقار شأنه شأن أي أصل آخر يحتاج إلى صيانة مستمرة تشمل المرافق والخدمات وأنظمة التشغيل.
وأوضح فكري، أن هذه الثقافة تشكلت عبر عقود طويلة تأثرت بأنماط سكنية سابقة، إذ اعتاد كثيرون العيش في مبان تفتقر إلى الصيانة الدورية، وهو ما أدى إلى مقاومة واضحة عند مطالبة الملاك بسداد رسوم إدارة وتشغيل المشروعات الحديثة.
وأشار إلى أن تغيير هذه الثقافة يمثل حجر الأساس لضمان استدامة جودة المشروعات العقارية، مشيرًا إلي أن الحفاظ على كفاءة المرافق والخدمات بعد التسليم يتطلب وعيًا مجتمعيًا بدور الصيانة الدورية كجزء لا يتجزأ من قيمة العقار.
وقال أحمد فكري، رئيس مجلس إدارة شركة كونتكت للتطوير العقاري، إن اهتمام شركات التطوير العقاري بمرحلة ما بعد البيع وتشغيل المشروعات لا يرتبط بتحويل رسوم الصيانة إلى مصدر ربح، بقدر ما يرتبط بالحفاظ على قيمة الأصول وتعظيم العائد الاستثماري للمشروعات على المدى الطويل.
أضاف أن دور المطور العقاري في الأساس يتمثل في ابتكار المشروع ووضع مفهومه وتنفيذه وتسليمه، بينما تعد إدارة المرافق والتشغيل مجالًا تخصصيًا يتطلب خبرات فنية وإدارية مختلفة تمامًا.
وأوضح فكري أن نجاح نموذج إدارة المرافق يتطلب وجود كيان مستقل عن شركة التطوير، يتمتع بذمة مالية منفصلة وإدارة متخصصة وهيكلًا تنظيميًا ، مشيرًا إلى أن التكامل الأمامي للشركات المطورة قد يدفعها إلى تأسيس شركات تشغيل تابعة، بشرط أن تعمل باستقلال كامل وبخبرات احترافية من السوق.
وأشار الي أن المرحلة المقبلة ستشهد طلبًا على شركات إدارة المرافق، خاصة مع المشروعات الضخمة الجاري تنفيذها في العاصمة الجديدة، والتي تضم مشروعات سكنية وتجارية وإدارية على نطاق واسع، ما يتطلب منظومة تشغيل احترافية للحفاظ على الاستثمارات .
وأكد فكري أن تطوير قطاع إدارة المرافق في مصر يستلزم الاستفادة من الخبرات المتراكمة في الأسواق الخارجية، خاصة الخبرات المصرية العاملة في دول الخليج، بما يسهم في رفع كفاءة التشغيل وتعزيز ثقة العملاء في المشروعات العقارية.
راشد: المشروعات التي تتمتع بإدارة احترافية تحافظ على 90% من قيمتها
وقال محمد راشد، عضو المجلس المصري للبناء الأخضر والمدن المستدامة، إن السوق العقاري المصري يمر بمرحلة تحول هيكلي غير مسبوقة، تنتقل فيه الصناعة من نموذج يعتمد على البيع الكثيف والوحدات على الخارطة، إلى نموذج أكثر نضجًا يرتكز على التشغيل الاحترافي، وإدارة الأصول، وتعظيم العائد الاستثماري طويل الأجل.
أضاف أن الدراسات السوقية، تشير إلى أن المشروعات التي تتمتع بإدارة احترافية تحافظ على ما بين 90% إلى 100% من قيمتها الحقيقية خلال السنوات الخمس التالية للتسليم، بينما قد تتراجع قيمة المشروعات سيئة الإدارة بنسبة تتراوح بين 15% و30% مقارنة بمشروعات مماثلة في المنطقة نفسها.
وأوضح راشد، أن الفارق في سعر إعادة البيع لا يرتبط فقط بالموقع، بل بجودة الصيانة، وكفاءة إدارة المرافق، واستقرار المجتمع السكني، ومستوى الخدمات المقدمة.
أشار عضو المجلس المصري للبناء الأخضر، إلي أن أبرز التحديات تتمثل في ضعف ثقافة الالتزام بسداد رسوم الصيانة، مما يؤثر على جودة التشغيل الي جانب ارتفاع تكاليف الطاقة والصيانة وقطع الغيار بالإضافة إلى نقص الكفاءات المتخصصة في إدارة الأصول والمرافق و كذلك تضارب المصالح في بعض الحالات عندما يكون المطور هو البائع والمدير والمحصّل في آن واحد.
كما أن غياب الشفافية في إدارة رسوم الصيانة قد يخلق فجوة ثقة بين المطور والعميل، وهو ما يستدعي حوكمة أكثر صرامة ونماذج إدارة أكثر استقلالًا.
وأكد راشد، أن رسوم الصيانة في جوهرها ليست نشاطًا ربحيًا، بل أداة لضمان استدامة التشغيل، لكن القيمة الاقتصادية الحقيقية تكمن في رفع معدلات الإشغال تحسين العائد الإيجاري و كذلك تقليل معدل الإهلاك بالإضافة إلى تعظيم القيمة السوقية عند إعادة التقييم.
وأضاف أن التحول الحقيقي ليس في الربح من رسوم الصيانة، بل في إدارة الأصل باعتباره استثمارًا طويل الأجل، وليس مجرد منتج للبيع، مشيرًا إلي أن المرحلة المقبلة في السوق العقاري المصري ستقاس بقدرة المشروعات على الحفاظ على جودتها وقيمتها التشغيلية لعقود، وليس فقط بحجم المبيعات المحققة.








