في وقت تتطاير فيه الصواريخ والقنابل والطائرات المسيرة عبر الخليج، تتعاظم احتمالات اندلاع حرب أكثر تدميراً في المحيط الهادئ.
فقد أصبح خفض التصعيد في الحرب الباردة الجديدة بين الولايات المتحدة والصين، أولوية عالمية قصوى.
ولتحقيق ذلك، من الضروري تفكيك أسطورة قوية تزيد من احتمالات الحرب: فكرة أن الصين وصلت إلى الازدهار عبر الغش.
يسهم الاقتصاد الصيني بالفعل في اختلالات كبيرة في الاقتصاد الكلي العالمي، ويجب معالجة ذلك.
لكن هذا يختلف تماماً عن الرواية المريحة التي نسجتها النخب الغربية لإخفاء إخفاقاتها، والتي تزعم أن نجاح الصين قائم على الخداع وعدم النزاهة والتلاعب.
وهذه ليست مجرد رواية مريحة، بل هي أيضاً خطيرة، لأنها تهيئ الرأي العام الغربي للحرب، بحسب ما ذكره موقع “بروجكت سنديكيت”.
الوقائع تكشف أن الشركات الغربية سلمت ملكيتها الفكرية طوعاً مقابل دخول السوق الصينية
تتكون هذه الأسطورة من خمس اتهامات زائفة. أولها أن الصين “سرقت” الملكية الفكرية للشركات الغربية.
في الواقع، كانت الشركات متعددة الجنسيات الغربية تتسابق لعقود على تسليم ملكيتها الفكرية مقابل الوصول إلى السوق الصينية الضخمة.
وقدمت السلطات الصينية، التي تخطط على مدى 50 عاماً، عرضاً لا يُقاوم، حيث قالت: يمكنكم دخول أسواقنا، لكن عليكم تعليم شعبنا كيفية تصنيع منتجاتكم.
وقد قبل الرؤساء التنفيذيون الغربيون، المنشغلون بنتائج الأرباع القليلة المقبلة والمفتونون بآفاق متوسطة الأجل واعدة، هذا العرض بحماس.
أما الاتهام الثاني، فيتمثل في أن الصين تقلل من قيمة عملتها.
ويفترض هذا الادعاء وجود سعر صرف “صحيح” تدفع السلطات الصينية اليوان إلى ما دونه.
نظرياً، فإن سعر الصرف الصحيح هو الذي يوازن الحساب الجاري لكل دولة.
وعملياً، يعني ذلك أن الدولار مبالغ في قيمته بشكل كبير، كما يتضح من العجز الضخم في الحساب الجاري الأمريكي.
باختصار، فإن اتهام الصين بإبقاء اليوان منخفضاً هو الوجه الآخر لاتهام الولايات المتحدة بتمويل عجزها عبر جذب رؤوس أموال الآخرين.
الجدل حول “اليوان” يبرز كوجه آخر لاعتماد الغرب على تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية
وبهذا المعنى، فإن الغربيين الذين يعتمدون على دولار مبالغ في قيمته يعيشون في “بيوت زجاجية”، ومن غير الحكمة رمي الحجارة.
الاتهام الثالث يتعلق بضوابط رأس المال في الصين، والتي تُقدم على أنها شكل آخر من أشكال الغش.
لكن هل نسي العالم أن العصر الذهبي للرأسمالية، أي فترة بريتون وودز في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، قام على ضوابط رأس المال في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان؟
كان المنطق بسيطاً: لا توجد أي حكومة ملزمة قانونياً أو أخلاقياً بالسماح للمضاربين بإغراق اقتصادها بأموال “ساخنة” سريعة الحركة، أو السماح بخروج الأموال دون قيود في أي لحظة.
أما الركيزة الرابعة لهذه الأسطورة، وهي الادعاء بوجود فائض ضخم في الطاقة الإنتاجية للصناعة الصينية، فتدحضها البيانات، إذ تدور معدلات استخدام الطاقة الإنتاجية في الصين حول أقل من 75%، وهي نسبة أدنى من نظيرتها في الولايات المتحدة.
كما أن المخزونات مستقرة، وأرباح المصدرين الصينيين ارتفعت بأكثر من 10%. وبالتالي، لا يوجد فائض في الطاقة الإنتاجية.
يُستخدم هذا الاتهام كوسيلة دفاع أمام ما يزعج السلطات الغربية فعلاً، وهو القدرة التنافسية العالية التي حققتها الصين عبر التخطيط الممتاز والاستثمار في التعليم والتدريب عالي الجودة ومنخفض التكلفة.
فعندما نرى كيف يمكن لشركة في “شنزن” تطوير أربعة نماذج أولية بجزء بسيط من التكلفة والوقت اللازمين لتطوير نموذج واحد في شتوتغارت أو إلينوي، لا يمكن منطقياً الاستنتاج أن تنافسية الصين ناتجة عن الإغراق.
لكن هذا الادعاء يبدو أكثر قبولاً سياسياً لدى القادة الغربيين من شرح حقيقة أن الصين طورت شبكة عصبية موزعة فريدة من نوعها للذكاء الصناعي في التصنيع.
أما الاتهام الخامس، وربما الأكثر شيوعاً، فهو أن الصينيين يستهلكون أقل ويتقاضون أجوراً منخفضة.
ربما، ولكن مقارنةً بمن؟
فقد نما إنفاق المستهلكين في الصين بوتيرة أسرع بكثير من نظيره في الاقتصادات الصناعية الآسيوية المتحالفة مع الغرب، من اليابان وكوريا الجنوبية إلى إندونيسيا وماليزيا.
علاوة على ذلك، عندما وصلت هذه الاقتصادات “المعجزة” إلى مستوى مماثل من التنمية، شهدت تباطؤاً حاداً في نمو الإنفاق الاستهلاكي، وهو ما لا يظهر في الصين.
بالمثل، ارتفعت الأجور في الصين بشكل كبير.
فقبل عقدين، كانت تكلفة ساعة العمل في قطاع التصنيع أقل من نظيرتها في الهند، ومنذ ذلك الحين، تضاعفت ثماني مرات، بينما لم تتضاعف في الهند سوى مرتين، بل إن الأجور في الصين أصبحت الآن أعلى من أي دولة نامية أخرى في آسيا.
هذه الحقائق غير مريحة في مراكز صنع القرار الغربية، فالتفوق التكنولوجي للصين يمثل تهديداً للشركات الغربية التي اعتادت الشعور بأنها لا تُهزم.
كما أن دولاً نامية أخرى باتت تتجه إلى الصين للحصول على منتجات أكثر موثوقية وجودة وأقل تكلفة.
ورغم أن الرد باتهامات الغش قد يبدو مفهوماً، فإن على الغرب استغلال هذه الفرصة للمراجعة، لأن قول الحقيقة يخدم قضية السلام.
إنفاق المستهلكين في الصين يسجل نمواً يفوق نظيره في الاقتصادات الآسيوية المتقدمة
الحقيقة هي أن الشركات الغربية لم تُهزم أمام الصين، بل باعت نفسها لها.
فقد نقلت الوظائف إلى الخارج، وأضعفت النقابات العمالية، وسلمت ملكيتها الفكرية مقابل أرباح سريعة.
وفي الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي ينقذون مصرفيين متهمين بمخالفات ويتورطون في حروب غير قانونية، كانت الصين تستثمر في التعليم وشبكات السكك الحديدية وأنظمة الرعاية الصحية الفعالة والطاقة الخضراء والشبكات الذكية ومراكز الإنتاج القادرة على البحث والتطوير والابتكار، وهي مجالات لا تستطيع معظم الدول الغربية مجاراتها.
لقد حان الوقت لأن يتوقف الغرب عن إلقاء اللوم على الصين بسبب قرارات شركاته الكبرى و”وول ستريت” وسياسييه المنصاعين، فالعقوبات ضد الصين ليست سوى بديل عبثي للسياسات الصناعية.
والأسوأ من ذلك، أن السرديات المعادية للصين، التي يروج لها نفس الأشخاص الذين خلقوا مأزقاً فورياً في الخليج، قد تمهد الطريق لمواجهة عسكرية أكثر جنوناً في المحيط الهادئ.








