في توقيت شديد الحساسية، قرر البنك المركزي المصري، في الثاني من أبريل 2026، تثبيت أسعار الفائدة عند 19% للإيداع و20% للإقراض، لم يكن القرار مجرد رقم في بيان رسمي، إنما رسالة واضحة: التريث الآن… لأن أي رفع جديد أصبح مكلفًا على المواطن والشركات معًا.
هذا التثبيت – الذي جاء بعد سلسلة من التحركات الحذرة – يحاول تحقيق توازن دقيق بين 3 أهداف متضاربة: كبح جماح التضخم، دعم النمو الاقتصادي، وتهدئة سوق الصرف. لكن السؤال الأهم: هل يعكس القرار استقرارًا يمكن البناء عليه، أم أنه مجرد هدنة مؤقتة في خضم عاصفة إقليمية لا تبدو قريبة من الانحسار؟
ألتمس العذر للمواطن المصري الذي يشعر بالحيرة. فمن ناحية، هناك مؤشرات إيجابية؛ إذ ارتفعت الاحتياطيات النقدية إلى نحو 52.7 مليار دولار، وسجلت تحويلات المصريين بالخارج رقمًا قياسيًا بلغ 41.5 مليار دولار.
ومن ناحية أخرى، لاتزال الضغوط قائمة؛ فقد خرجت استثمارات أجنبية قصيرة الأجل — أو ما يُعرف بالأموال الساخنة — بنحو يتراوح بين 6.5 و6.8 مليار دولار منذ فبراير الماضي، في أكبر موجة تخارج منذ أزمة 2022. هذا التباين يعكس حجم التحدي الذي تواجهه السياسة النقدية.
يرتبط قرار تثبيت الفائدة ارتباطًا وثيقًا بسعر الصرف. صحيح أنه قد يحدّ من التقلبات اليومية، لكن الضغوط الأساسية لا تزال قائمة مع تحرك الدولار في نطاق 53–54 جنيهًا، مدفوعًا بعوامل خارجية بالأساس.
فالتوترات الإقليمية، وما تسببه من تقلبات في أسعار الطاقة، إلى جانب ارتفاع تكلفة التأمين على الديون (CDS) إلى نحو 329 نقطة أساس، كلها مؤشرات على أن الأسواق لاتزال تتعامل مع قدر لا يُستهان به من المخاطر.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل تستطيع السياسة النقدية وحدها مواجهة صدمات جيوسياسية عالمية؟ الإجابة الواقعية: لا. وهذا ليس إخفاقًا، بل سمة مشتركة لمعظم الاقتصادات الناشئة.
في هذا السياق، تبدو استجابة سوق الأوراق المالية محدودة، فالمستثمر لا يفتقد الفرص بقدر ما يفتقد اليقين. نظريًا، يفترض أن يدعم تثبيت الفائدة جاذبية الأسهم، مقارنة بالأدوات الادخارية، لكن الواقع أكثر تعقيدًا. فمعدلات النمو تدور حول 4.8% إلى 5%، بينما لايزال التضخم عند مستويات مرتفعة؛ إذ سجل 13.4% في فبراير، والتضخم الأساسي 12.7%، هذه الأرقام لا توفر بيئة مريحة لاتخاذ قرارات استثمارية طويلة الأجل.
البنك المركزي، بطبيعة الحال، لا يتحرك بدوافع عاطفية، إنما وفق معادلة دقيقة تشمل توقعات التضخم، وتكلفة الاقتراض، واستقرار النظام المصرفي، ومع بقاء التضخم الأساسي أعلى من النطاق المستهدف (5% إلى 9% بنهاية 2026)، فإن تحقيق هذا الهدف يظل مرهونًا بعوامل خارجية، في مقدمتها استقرار أسعار الطاقة وهدوء الأوضاع الإقليمية.
إذا استمرت الضغوط الحالية، فقد يجد صانع السياسة النقدية نفسه أمام خيارات صعبة: إما العودة إلى رفع الفائدة، بما يحمله ذلك من أعباء إضافية، أو اللجوء إلى أدوات أخرى أقل تقليدية وأكثر تكلفة.
في النهاية، يبدو قرار تثبيت الفائدة أقرب إلى “التقاط أنفاس” منه إلى نقطة تحول حقيقية، فهو محاولة لمنح الاقتصاد مساحة للتحرك دون المخاطرة بفقدان السيطرة على التضخم.
المواطن لا ينظر إلى الاحتياطيات أو تدفقات النقد الأجنبي بقدر ما ينظر إلى تكلفة المعيشة اليومية، والمستثمر لا يبحث عن إشارات طمأنة، بل عن بيئة مستقرة يمكن التنبؤ بها.
قد يكون القرار مناسبًا في توقيته، لكنه غير كافٍ بمفرده، فالاستقرار يعتمد على عوامل تتجاوز السياسة النقدية، مثل تطورات الأوضاع الإقليمية وحركة الاستثمارات العالمية.
بقلم: هاني أبوالفتوح








