تتجه الهيئة العامة للرقابة المالية، إلى إحداث نقلة نوعية في سوق التمويل العقاري، عبر حزمة من الضوابط والتنظيمات الجديدة التي تستهدف رفع كفاءة القطاع وتعزيز نموه خلال الفترة المقبلة.
وبين إشادة العاملين بالسوق بهذا التوجه، تبرز مجموعة من التحديات الجوهرية، في مقدمتها تمويل الوحدات تحت الإنشاء، وصعوبات تسجيل العقارات، وارتفاع أسعار الفائدة. وفي الوقت نفسه، تفتح هذه التحركات الباب أمام مرحلة جديدة من التوازن بين الرقابة والتنشيط، بما يعزز من دور التمويل العقاري كأداة رئيسية لتلبية الطلب المتزايد على الوحدات السكن في مصر .
الكحكي: تحقيق التوازن بين الرقابة والتنشيط يضمن بيئة عمل أكثر استقرارًا
قال محمد الكحكي، رئيس الاتحاد المصري للتمويل العقاري، إن توجهات الهيئة العامة للرقابة المالية لوضع ضوابط جديدة لممارسة نشاط التمويل العقاري، إلى جانب إلزام الشركات بالحصول على التراخيص اللازمة وتدريب العاملين، تمثل خطوة إيجابية نحو تطوير السوق وتعزيز كفاءته خلال الفترة المقبلة.
أضاف لـ”البورصة”، أن اللقاء الذي جمع مسئولي الهيئة مع ممثلي الشركات العاملة بالقطاع كان “بناء للغاية”، مشيرًا إلى أن الاجتماع شهد طرح عدد من الأفكار والمحاور المهمة، سواء من حيث إدخال تعديلات تنظيمية أو إضافة آليات جديدة من شأنها تحسين أداء القطاع وزيادة معدلات نموه، لافتا إلى أن هناك مرونة واضحة في مناقشة مختلف الرؤى، مع تأكيد الهيئة على دراسة المقترحات بشكل دقيق قبل تطبيقها.
وأشار إلى أن هذا النهج يعكس تحول دور الهيئة من مجرد جهة رقابية إلى شريك داعم لنمو السوق، من خلال العمل على تحقيق التوازن بين الرقابة والتنشيط، بما يضمن بيئة عمل أكثر استقرارًا وانضباطًا.
وفيما يتعلق بتوقعاته للفترة المقبلة، رجّح الكحكي أن يشهد سوق التمويل العقاري نموًا ملحوظًا خلال النصف الثاني من عام 2026، مدفوعًا بتراجع أسعار الفائدة، ما سيشجع شريحة أكبر من العملاء على الاعتماد على التمويل العقاري كوسيلة أساسية لشراء الوحدات.
كما توقع استمرار ارتفاع أسعار العقارات نتيجة زيادة تكلفة مدخلات البناء، خاصة مع صعود أسعار الدولار والمواد البترولية، وهو ما سيدفع الأفراد بشكل أكبر نحو حلول التمويل العقاري بدلا من الشراء النقدي.
وأكد أن هذه المتغيرات ستسهم في رفع الوعي لدى المواطنين بأهمية التمويل العقاري كأداة فعالة لامتلاك الوحدات، متوقعًا زيادة ملحوظة في حجم تمويل الأفراد خلال الفترة المقبلة.
سمير: يجب إعادة تفعيل آلية تمويل الوحدات تحت الإنشاء وحل مشكلة التسجيل
وقال محمد سمير الرئيس التنفيذي لشركة إيليت للاستشارات والتمويل العقاري، إن توجه الهيئة العامة للرقابة المالية نحو تطوير القطاع، بما في ذلك التحول الرقمي، يعد توجها إيجابيا للقطاع، لكن هناك أولويات أكثر إلحاحًا من بينها إعادة تفعيل تمويل الوحدات تحت الإنشاء، وتعزيز دور وسيط التمويل العقاري.
وشدد علي أهمية تفعيل دور وسيط التمويل العقاري بشكل رسمي، باعتباره عنصرًا أساسيًا في المنظومة، يتولى تجهيز ملفات العملاء وربطهم بجهات التمويل مقابل عمولات محددة وفقا للقانون، وهو نموذج معمول به في مختلف الأسواق العالمية، لكنه لم يُفعّل بشكل كافٍ في مصر حتى الآن.
أكد سمير، ضرورة إجراء إصلاحات شاملة تعالج التحديات المتراكمة في القطاع منذ سنوات، بما يسهم في تفعيل منظومة التمويل العقاري وتحقيق معدلات نمو أكبر خلال الفترة المقبلة.
وأضاف ان قطاع التمويل العقاري في مصر يواجه عددا من التحديات التشغيلية والتمويلية التي تعيق نموه، على رأسها ضرورة إعادة تفعيل آلية تمويل الوحدات تحت الإنشاء، رغم وجودها بالقانون منذ عام 2001، لكنها توقفت منذ قرار البنك المركزي في 2008، وهو ما حد من قدرة الشركات على تمويل النسبة الأكبر من المشروعات القائمة حاليًا.
واوضح أن نحو 90% من المشروعات العقارية المطروحة بالسوق لا تزال تحت الإنشاء، ما يجعل إعادة تفعيل هذا النوع من التمويل خطوة محورية لدفع النشاط وزيادة معدلات نموه خلال الفترة المقبلة.
أشار سمير إلى أن ملف تسجيل العقارات لا يزال يمثل تحديا رئيسا، رغم تعديلات قانون التسجيل العقاري في 2023، إذ لم تنعكس تلك التعديلات بشكل فعال على أرض الواقع حتى الآن، في ظل استمرار صعوبات إجراءات التسجيل والتنفيذ على العقارات، وهو ما يؤثر سلبا على كفاءة منظومة التمويل.
وأكد أن أسعار الفائدة ليست العائق الأساسي أمام نمو القطاع، لكنها تظل عاملا مؤثرا، خاصة في ظل الحاجة إلى أدوات تمويلية بعوائد مستقرة تساعد على استدامة نشاط التمويل العقاري وتعزز من جاذبيته للعملاء.
وشدد على أهمية التزام المطورين العقاريين بدورهم كمطورين فقط، دون القيام بدور الممول، مع الاعتماد على جهات التمويل المتخصصة، والتي يصل عددها في السوق المصرية إلى نحو 50 جهة بين بنوك وشركات، بما يساهم في تنظيم السوق وتحقيق كفاءة أكبر في توزيع الأدوار.
وفيما يتعلق بالطلب، أوضح سمير أن الشريحة الأكبر من المستفيدين حاليا تتركز في مبادرات التمويل العقاري المدعومة من الدولة، إلا أن تلك المبادرات تواجه تحديات نتيجة عدم ملاءمة حدود أسعار الوحدات مع مستويات الأسعار الحالية بالسوق، إذ لا يتجاوز الحد الأقصى لسعر الوحدة 2.5 مليون جنيه، وهو ما أدى إلى تراجع فاعليتها.
وأشار إلى أن التمويل العقاري الحر يظل مرتبطا بشكل مباشر بمستويات أسعار الفائدة، حيث يؤدي انخفاضها إلى زيادة إقبال العملاء على الاستفادة من التمويل.
عبدالحميد: إنشاء نظام رقمي موحد على غرار “I-Score” لمنع التمويل المزدوج
وقال أيمن عبدالحميد، نائب رئيس مجلس إدارة شركة الاولي للتمويل العقاري، إن التحول الرقمي والميكنة يمثلان ركيزة أساسية لنجاح القطاع المالي، في ظل الاعتماد المتزايد على نظم المعلومات لإدارة قواعد عملاء ضخمة، مشددًا على أن الجهات الرقابية تدعم هذا التوجه باعتباره المسار الرئيسي لتطوير كفاءة واستدامة الأنشطة المالية غير المصرفية.
وأضاف أن أبرز التحديات التشغيلية والتمويلية التي تواجه شركات التمويل العقاري حاليا تتمثل في تمويل الوحدات تحت الإنشاء، في ظل غياب سوق ثانوي قادر على إعادة تمويل هذا النوع من الأصول، خاصة من جانب البنوك، ما يستدعي ضرورة العمل على إيجاد آليات بديلة لمعالجة تلك الفجوة.
وأوضح عبدالحميد، أن ارتفاع أسعار الفائدة كان له تأثير مباشر وقوي على نشاط التمويل العقاري، حيث تضاعفت الأعباء التمويلية على العملاء بشكل كبير، مشيرا إلى أن القسط الشهري لوحدة بقيمة مليون جنيه ارتفع من نحو 15 ألف جنيه عند فائدة 14% إلى قرابة 30 ألف جنيه مع وصول الفائدة إلى مستويات تتجاوز 30%، وهو ما انعكس بدوره على اشتراطات الدخل، التي قفزت من 30 ألف جنيه إلى نحو 60 ألف جنيه.
وأكد أن تراجع القدرة الشرائية أدى إلى انخفاض ملحوظ في عدد عملاء الأفراد، خاصة مع حساسية هذا القطاع لأسعار الفائدة، لافتا إلى أن الطلب يتركز بشكل أساسي في شريحة محدودي ومتوسطي الدخل، التي يتم خدمتها عبر برامج صندوق الإسكان الاجتماعي، إلى جانب مشروعات وزارة الإسكان وهيئة المجتمعات العمرانية.
وأشار إلى أن من بين الحلول المقترحة لتجاوز أزمة التمويل تحت الإنشاء، إنشاء نظام رقمي موحد على غرار “I-Score”، يتم من خلاله تسجيل جميع الوحدات التي حصلت على تمويل سواء من البنوك أو شركات التمويل العقاري، بما يضمن الحد من ظاهرة التمويل المزدوج وتعزيز الشفافية داخل السوق.







