شهد القطاع المالي غير المصرفي مستويات من التعافى منذ توجه البنك المركزي المصري للتيسير النقدي، ما دفعه لدورة تعافى مع كل خفض فى مستويات الفائدة.
لكن اندلعت التوترات الجيوسياسية فى المنطقة ما دفع البنك المركزى المصري لتثبيت أسعار الفائدة لحين وضوح رؤية الأحداث بالمنطقة.
هذا التثبيت أربك خطط النمو للقطاع المالى غير المصرفي، خاصة أن أسعار الفائدة تؤثر بصورة مباشرة على كل أنشطة التمويل.
ويرى متعاملون، أن تعليق دورة التيسير النقدي من شأنها أن تربك خطط نمو القطاع الماليى غير المصرفي، ومن المرجح أن يشهد بعض التباطؤ.
قال محمد الفقي الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة سيمبل لخدمات الشراء الآن والدفع الآجل، إن قرار تثبيت أسعار الفائدة يُعد الخيار الأكثر أمانًا في ظل الضبابية الحالية، موضحًا أن خفض الفائدة عادةً ما يدفع شركات التمويل لتقديم عروض أكبر، وهو ما ينعكس على زيادة عدد المعاملات، بينما يؤدي ارتفاعها إلى تآكل هوامش الربحية ومن ثم تراجع تلك العروض.
وأبقى البنك المركزي المصري أسعار الفائدة دون تغيير، خلال ثاني اجتماع للجنة السياسة النقدية في 2026، موافقاً التوقعات، وسط مخاطر صعودية تحيط بالتضخم محلياً وعالمياً.
وقررت لجنة السياسة النقدية، في اجتماعها الخميس الماضي، الإبقاء على أسعار الفائدة للإيداع عند 19%، وسعر الإقراض عند 20%، وسعر العملية الرئيسية للبنك المركزي عند 19.5%.
وأعلن البنك المركزي، عن “تعليق دورة التيسير النقدي” وتبنّي نهج الترقب وانتظار تطورات الأسواق.
وأشار الفقي، إلى أن هذا القرار يأتي في ظل وجود “هامش موجب في سعر العائد الحقيقي”، وهو الأمر الذي يساعد في “الحفاظ على سياسة نقدية تقييدية، وترسيخ التوقعات واحتواء الضغوط التضخمية واستعادة المسار النزولي للتضخم”.
أضاف الفقي أن الإبقاء على مستويات الفائدة الحالية يسهم في الحفاظ على استقرار خطط الشركات، خاصةً أن أغلبها بنى موازناته على اتجاه خفض الفائدة الذي حدث في وقت سابق، وبالتالي فإن التثبيت يحمي هذه التقديرات من أي ضغوط مفاجئة قد تنتج عن رفع جديد.
وأشار إلى أن القرار يدعم مختلف القطاعات التجارية والصناعية المعتمدة على التسهيلات البنكية، إذ يمنحها وضوحًا نسبيًا في التكلفة التمويلية، ويُجنبها إعادة هيكلة ميزانياتها في توقيت حساس.
وأوضح أن تحسن الطلب على المنتجات لا يرتبط فقط بمستوى الفائدة، بل يتأثر أيضًا بعوامل موسمية وتوافر السلع، لافتًا إلى أن موسم الصيف يشهد عادةً نشاطًا في مبيعات الملابس والمفروشات، إلى جانب بعض الأجهزة المنزلية، بينما ينتعش الطلب على الإلكترونيات مثل الهواتف والحواسيب مع اقتراب العام الدراسي الجديد.
ووفقًا لبيانات الهيئة العامة للرقابة المالية، بلغت المؤشرات التقديرية لإجمالي التمويل الممنوح من خلال الجهات الخاصة لرقابة الهيئة المالية خلال 2025 نحو 1.3 تريليون جنيه مقارنةً بنحو 887.7 مليار جنيه خلال العام الأسبق بنمو 49.1%.
عبدالحميد: المستويات الحالية مرتفعة وتؤثر مباشرة على النشاط
من جانبه، قال أيمن عبدالحميد العضو المنتدب لشركة الأولى للتمويل العقاري، إن قرار تثبيت أسعار الفائدة لا يصب في مصلحة القطاع بشكل مباشر، في ظل استمرارها عند مستويات مرتفعة، موضحًا أن سعر الإقراض المعلن يدور حول 20%، بينما تصل التكلفة على العملاء إلى ما بين 24% و25%، وهو ما يمثل عبئًا على النشاط.
أضاف أن تثبيت الفائدة رغم ذلك يُعد قرارًا ضروريًا في ظل الضغوط التضخمية الحالية الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة والبترول عالميًا، إلى جانب نقص الإمدادات، مشيرًا إلى أن السيناريو الأسوأ كان يتمثل في رفع جديد للفائدة لكبح التضخم، وهو ما لم يحدث.
وأشار عبدالحميد، إلى أن التخفيضات التي شهدتها أسعار الفائدة خلال العام الماضي وبداية العام الحالي، أسهمت في تخفيف الضغوط على السوق، إذ تراجعت تكلفة التمويل للعملاء من مستويات قاربت 33% إلى نحو 24% حاليًا، وهو ما وفر قدرًا من الدعم للقطاع.
وأوضح أن التوقعات السابقة كانت تشير إلى استمرار مسار خفض الفائدة خلال 2026 بنسب تتراوح بين 6% و10%، إلا أن التطورات الحالية قد تعرقل هذا الاتجاه، لافتًا إلى أن أي تحرك محتمل للفائدة خلال الفترة المقبلة يُفضل ألا يكون في اتجاه الزيادة، لما قد يحمله من تأثيرات سلبية إضافية على السوق.
ومنحت شركات التمويل العقاري عملائها خلال العام الماضي 2025 تمويل بقيمة 36.4 مليار جنيه مقارنةً بنحو 22.1 مليار جنيه في العام الأسبق بنمو 64.4%.
وبلغت قيمة عقود التأجير التمويلي حوالي 160.8 مليار جنيه في 2025 مقارنةً بنحو 102.1 مليار جنيه في العام الأسبق بنمو 57.5%.
الهلالي: التثبيت يحفز أصحاب المشروعات على التوسعات
وقالت هناء الهلالي العضو المنتدب لشركة الخير للتمويل متناهي الصغر، إن قرار تثبيت أسعار الفائدة يدعم حالة الاستقرار في السوق، خاصةً في ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة، موضحةً أنه لا يتضمن تغييرات جوهرية في تكلفة التمويل، ما ينعكس إيجابًا على وضوح الرؤية لدى المتعاملين.
وأشارت إلى أن القرار قد يسهم في تشجيع أصحاب المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر على التوسع، في ظل استقرار تكلفة الاقتراض، لافتةً إلى أن التوقعات السابقة كانت تشير إلى استمرار دورة خفض الفائدة لولا التطورات الجيوسياسية الأخيرة التي أثرت على مختلف الأسواق محليًا وعالميًا.
وأوضحت الهلالي أن الطلب على التمويل خلال الفترة المقبلة لن يتركز في قطاع بعينه، بل من المتوقع أن يشمل مختلف الأنشطة الاقتصادية، في ظل استمرار احتياجات التمويل عبر القطاعات المختلفة.
وبشأن مؤشرات نشاط تمويل المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر بلغت قيمة أرصدة تمويل المشروعات المتوسطة والمتوسطة ومتناهية الصغر نحو 95.8 مليار جنيه في نهاية 2025 بنمو 27%.
وبلغ عدد المستفيدين حوالي 3.6 مليون مستفيد في نهاية عام 2025 مقارنةً بـ3.7 مليون مستفيد في العام السابق بمعدل انخفاض 3.6%.
وبلغت قيمة التمويل الممنوح للمشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر نحو 95.7 مليار جنيه في نهاية عام 2025 مقارنةً بـ85.4 مليار جنيه خلال العام الأسبق بزيادة 12.1%؛ إذ بلغ عدد المستفيدين نحو 2.9 مليون مستفيد مقارنةً بنحو 3.1 مليون مستفيد في نهاية 2024.
أمين: شركات التمويل الاستهلاكي قد تستفيد من قرار الثبيت
وقال مصطفى أمين المحلل المالي بشركة برايم القابضة، إن استمرار ارتفاع أسعار الفائدة عند مستوياتها الحالية يمثل تحديًا رئيسيًا أمام نمو القطاع المالي غير المصرفي، نظرًا لارتباطه المباشر بتكلفة التمويل، موضحًا أن زيادة الفائدة تؤدي إلى تآكل هوامش الربحية لشركات التمويل، سواء في الأنشطة الاستهلاكية أو العقارية أو المؤسسية مثل التوريق والتخصيم.
وأشار إلى أن زيادة تكلفة الاقتراض تدفع الشركات إلى تقليص التوسع والاعتماد بشكل أكبر على التسهيلات الائتمانية قصيرة الأجل بدلًا من القروض، وهو ما يحد من نمو محافظ التمويل لدى الشركات غير المصرفية، إلى جانب ارتفاع معدلات المخاطر وزيادة المخصصات الائتمانية، بما يضغط على صافي الأرباح.
وأوضح أمين، أن استقرار أسعار الفائدة عند مستويات معتدلة يسهم في تحقيق توازن داخل القطاع، من خلال دعم نمو محافظ التمويل وزيادة عدد العملاء، مع انخفاض معدلات التعثر، وهو ما ينعكس إيجابًا على النشاط الاقتصادي بشكل عام، خاصة في تمويل السلع المعمرة والسيارات والتمويل العقاري.
و لفت إلى أن الشركات التي تمتلك نموذج أعمال متكامل يجمع بين التمويل وبنوك الاستثمار تعد الأكثر قدرة على التكيف، مثل بلتون القابضة، والمجموعة المالية هيرميس، إلى جانب سي آي كابيتال، وراية القابضة، لما تمتلكه من تنوع في مصادر الإيرادات وقدرة على الاستفادة من أنشطة التوريق والتخصيم.
كما أشار إلى أن شركات التمويل الاستهلاكي مثل فاليو، وشركات التمويل غير المصرفي مثل كونتكت المالية القابضة، قد تستفيد من استقرار الفائدة عبر التوسع في قاعدة العملاء، رغم استمرار الضغوط الناتجة عن ارتفاع تكلفة التمويل.
ويعد نشاط التمويل الاستهلاكي أحدث الأنشطة المالية غير المصرفية التي خضعت لرقابة الهيئة العامة للرقابة المالية باعتبارها الجهة التي اختصها قانون تنظيم نشاط التمويل الاستهلاكي الصادر بالقانون برقم 18 لسنة 2020. وبلغت قيمة التمويل الاستهلاكي الممنوح حوالي 78.2% مليار جنيه خلال 2025 مقارنةً بـ55.1 مليار جنيه تمويل استهلاكي عام 2024 محققا بمعدل نمو 58.4%.
وتوقع أن يظل قرار الفائدة خلال الفترة المقبلة مرهونًا بتطورات التضخم والأوضاع الجيوسياسية، موضحًا أن استمرار الضغوط التضخمية أو ارتفاع أسعار النفط قد يدفع البنك المركزي إلى تشديد السياسة النقدية، بينما يتيح استقرار الأسعار الحفاظ على المستويات الحالية، خاصة في ظل تحقيق عائد حقيقي موجب على الجنيه.








