لم يعد التضخم مجرد متغير اقتصادي عابر، بل تحول إلى قوة ضاغطة تعيد رسم ملامح قطاع التمويل الاستهلاكي في مصر، سواء من حيث طبيعة الطلب أو آليات عمل الشركات.
فمع تسارع وتيرة ارتفاع الأسعار، يجد المستهلك نفسه أمام معادلة صعبة بين تراجع قدرته الشرائية واحتياجاته المتزايدة، وهو ما يدفعه إلى الاعتماد بشكل أكبر على حلول التقسيط والتمويل كوسيلة لتجاوز الضغوط المعيشية.
في المقابل، تواجه شركات التمويل الاستهلاكي تحديًا مزدوجًا؛ إذ تستفيد من زيادة الطلب على خدماتها، لكنها في الوقت ذاته تتحمل ضغوطًا متزايدة على هوامش الربحية نتيجة ارتفاع تكلفة التمويل، ما يضع القطاع بأكمله أمام مرحلة إعادة تشكيل تفرضها الظروف الاقتصادية الراهنة.
التضخم يغير طبيعة الطلب
سجل معدل التضخم العام للحضر 15.2% في مارس 2026 مقابل 13.4% في فبراير على أساس سنوي، وهو ما يعكس استمرار الضغوط السعرية على مختلف السلع والخدمات. هذا الارتفاع لم يؤدِ فقط إلى تآكل القوة الشرائية، بل أعاد توجيه سلوك المستهلكين داخل السوق.
فبدلًا من الاعتماد على التمويل الاستهلاكي لشراء السلع الكمالية أو المعمرة فقط، أصبح التقسيط أداة أساسية لتلبية احتياجات أكثر تنوعًا، في ظل اتساع الفجوة بين مستويات الدخل والأسعار.
ومع تزايد الضغوط، لم يعد قرار الشراء مرتبطًا بالقدرة على الدفع الفوري، بل بمدى القدرة على توزيع التكلفة على فترات زمنية.
نمو قوي.. ولكن بدوافع مختلفة
تعكس مؤشرات السوق هذا التحول بوضوح، حيث بلغ إجمالي قيمة التمويل الاستهلاكي بنهاية يناير الماضي نحو 8.5 مليار جنيه، مقارنة بـ5.5 مليار جنيه في نفس الفترة من 2025، فيما ارتفع عدد العملاء إلى 1.2 مليون عميل مقابل 761 ألفًا.
لكن هذا النمو، رغم قوته، لا يعكس بالضرورة تحسنًا في القوة الشرائية، بقدر ما يعبر عن زيادة الاعتماد على التمويل كبديل لتعويض تراجع الدخل الحقيقي.
وتصدرت الإلكترونيات والأجهزة الكهربائية قائمة القطاعات المستفيدة بنسبة 25.5% من إجمالي التمويلات، تلتها السيارات والمركبات بنسبة 15.9%، ثم السلع الاستهلاكية عبر كروت التمويل بنسبة 15.4%، في حين توزعت النسب المتبقية على قطاعات متعددة، بما يعكس اتساع قاعدة الاستخدام.
هوامش الربحية في مهب الفائدة
قال محمد الفقي، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة “سيمبل” لخدمات الشراء الآن والدفع الآجل، إن التضخم يظل العامل الأكثر تأثيرًا في توجيه نشاط القطاع، مشيرًا إلى أن استمرار ارتفاع الأسعار قد يدفع البنك المركزي إلى مزيد من تشديد السياسة النقدية، ما يرفع تكلفة التمويل على الشركات.
وأوضح أن ارتفاع الطلب المدفوع بتوقعات زيادة الأسعار قد يمنح دفعة مؤقتة لحجم العمليات، لكنه في المقابل يضغط على هوامش الربحية، خاصة مع ارتفاع تكلفة الاقتراض.
أضاف الفقي، أن الشركات قد تجد صعوبة في تمرير هذه الزيادات إلى العملاء، في ظل وصول أسعار الفائدة إلى مستويات مرتفعة بالفعل، ما يحد من قدرة المستهلكين على تحمل أعباء إضافية، ويضع الشركات أمام خيارات محدودة للحفاظ على استدامة أعمالها.
وأشار إلى أن بعض الشركات بدأت بالفعل في تقليص العروض الترويجية مثل التقسيط دون فوائد أو الخصومات الكبيرة، كأحد الحلول لمواجهة ارتفاع التكلفة، في ظل صعوبة الجمع بين تحفيز الطلب وتحمل أعباء التمويل.
بين تحفيز الطلب وضغوط المخاطر
في ظل هذه المعادلة، يتحول قطاع التمويل الاستهلاكي إلى ساحة توازن دقيقة بين الحفاظ على معدلات النمو وإدارة المخاطر. فزيادة الاعتماد على التمويل قد تدعم الطلب على المدى القصير، لكنها تطرح تساؤلات حول جودة المحافظ التمويلية على المدى المتوسط.
ويزداد هذا التحدي مع استمرار حالة عدم اليقين المرتبطة بالتطورات الجيوسياسية العالمية، والتي تجعل من الصعب التنبؤ بمسار التضخم أو أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة.
الشركات تعيد تشكيل استراتيجياتها
من جانبه، قال محمود الغواص، الرئيس التنفيذي لشركة “موجو” للتمويل الاستهلاكي، إن القطاع مرشح للتأثر بدرجات متفاوتة حال استمرار التضخم، في ظل الضغوط على القوة الشرائية، ما قد يدفع بعض العملاء إلى إعادة ترتيب أولوياتهم والتركيز على السلع الأساسية.
لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن هذه الضغوط قد تدعم زيادة الاعتماد على حلول التقسيط، باعتبارها وسيلة لتخفيف الأعباء المالية، وهو ما يساعد في الحفاظ على مستوى من الطلب داخل السوق.
وأوضح الغواص، أن شركات التمويل الاستهلاكي تواصل تعزيز قدرتها على التكيف، من خلال التوسع في الحلول الرقمية، والتي تتيح الوصول إلى شرائح أوسع من العملاء، إلى جانب تطوير أدوات إدارة المخاطر.
أضاف أن الشركات تعتمد بشكل متزايد على تحليل سلوك العملاء، ووضع حدود ائتمانية مرنة تتناسب مع مستويات المخاطر، فضلًا عن استخدام أنظمة إنذار مبكر لرصد أي تغيرات في أنماط السداد.
قطاع ينمو.. ولكن بحذر
توقع الغواص أن يحافظ قطاع التمويل الاستهلاكي على مسار نمو إيجابي خلال الفترة المقبلة، مدفوعًا باستمرار الطلب على حلول التمويل المرنة، إلى جانب التوسع في الخدمات الرقمية.
لكن هذا النمو سيظل محاطًا بدرجة من الحذر، في ظل التحديات المرتبطة بالتضخم وارتفاع تكلفة التمويل، ما يتطلب من الشركات الحفاظ على توازن دقيق بين التوسع وإدارة المخاطر.








