حرب إيران تكشف هشاشة عملات الدول المستوردة للطاقة
يكفى إلقاء نظرة على قائمة أسوأ العملات أداءً منذ بداية الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران، ليظهر استنتاج لافت لكنه غير مفاجئ، جميعها تقريباً تعود لدول مستوردة للطاقة.
من بين أكبر الخاسرين كان الجنيه المصري، والبيزو الفلبيني، والوون الكوري الجنوبي، والبات التايلندي.
وفي المقابل، تضم قائمة العملات القليلة التي ارتفعت، الريال البرازيلي، والتينج الكازاخستاني، والنيرة النيجيرية، وجميعها لدول مصدّرة رئيسية للنفط.
يعطي هذا لمحة عن اتجاه المرحلة المقبلة من أزمة الطاقة، فكما أن كبار مستوردي النفط استنزفوا احتياطياتهم من الخام منذ إغلاق مضيق هرمز، فإنهم استنزفوا أيضاً هوامش الأمان المالية لديهم.
خفّضت الحكومات الضرائب ورفعت الدعم عن وقود الطرق لتخفيف صدمة ارتفاع أسعار النفط الخام، كما تتراجع احتياطيات النقد الأجنبي بسرعة، مع ارتفاع تكلفة واردات النفط والغاز، من دون أي زيادة مقابلة في قيمة الصادرات، بحسب ما نقلته وكالة أنباء “بلومبرج”.
أزمة العملات وارتفاع فاتورة الطاقة
قد نكون على وشك الوصول إلى نقطة حرجة، ففي الهند، ثالث أكبر مستورد للنفط في العالم، دعا رئيس الوزراء ناريندرا مودي، السكان إلى الحد من استهلاك الوقود، ورفع الرسوم على واردات الذهب والفضة للحفاظ على ميزان المدفوعات.
وقال مودي: “لقد حان الوقت لاستخدام البنزين والديزل والغاز بحذر شديد. يجب أن نبذل جهوداً لاستخدام الكميات الضرورية فقط من أجل الحفاظ على العملة الأجنبية”.
أما في تركيا، التي تعتمد على الواردات لتغطية أكثر من 70% من استهلاكها للطاقة، فقد شهدت احتياطيات النقد الأجنبي أكبر تراجع شهري على الإطلاق في مارس، كذلك هبطت الروبية الإندونيسية إلى مستويات أدنى من تلك التي سجلتها خلال الأزمة المالية الآسيوية عام 1998، وتُعدّ البلاد شديدة التأثر بتداعيات حرب إيران، كما كتب دانيال موس.
وأشار الاقتصادي فيليب فيرليجر، إلى أن العلاقة بين الطاقة والعملات تمثل أحد العوامل التي تجعل هذه الأزمة مختلفة.
ففي سبعينيات القرن الماضي، عندما كانت الولايات المتحدة مستورداً صافياً للنفط، أدت صدمتا النفط في عامي 1973 و1979 إلى رفع فاتورة وارداتها وإضعاف الدولار، وكان ذلك يخفف من أثر الأزمة على الدول الأخرى التي كانت تسعّر مشترياتها النفطية بالدولار، لكن الوضع اليوم معكوس تماماً.
فمع تحول أمريكا إلى المورد الأخير للنفط والغاز في العالم، من المرجح أن يزداد الدولار قوة لا ضعفاً.
في الاقتصادات الآسيوية الناشئة التي تفتقر إلى الاحتياطيات المحلية الكبيرة من النفط، لا يتم دفع أسعار أعلى مقابل الخام وحسب، بل يتم أيضاً دفع المزيد مقابل الدولارات اللازمة لشرائه.
هل تنقذ الطاقة النظيفة الاقتصادات الناشئة؟
كانت الحكومات حول العالم بطيئة للغاية في تبني إمكانات الطاقة النظيفة من الرياح والطاقة الشمسية والطاقة النووية والبطاريات والسيارات الكهربائية.
وينبغي أن تكون الأزمة الحالية بمثابة جرس إنذار، يؤكد أن هذه التقنيات ليست ضرورية فقط لتجنب التداعيات طويلة الأجل لتغير المناخ، بل تمثل أيضاً أفضل طريق للخروج من الاعتماد على الوقود الأحفوري الذي يربط الاقتصادات الهشة وعملاتها بتدفقات مستمرة من واردات السلع الأساسية المتقلبة وسهلة التعطل.
فعلى سبيل المثال، تكافح إندونيسيا لمعرفة كيفية تجاوز عام 2026 دون خرق قانون يفرض ألا يتجاوز عجز الميزانية 3% من الناتج المحلي الإجمالي.
ومع ذلك، يذهب نحو 2.7% من الناتج المحلي إلى دعم الوقود الأحفوري، خصوصاً البنزين والديزل المدعومين، كما تتوقع تايلاند ارتفاع ديونها مع اقتراض الحكومة 150 مليار بات، أي ما يعادل 4.6 مليار دولار، لسد عجز صندوق الوقود النفطي.
أما شركات بيع الوقود الحكومية في الهند فتخسر 10 مليارات روبية، أي نحو 104 ملايين دولار، يومياً بسبب بيع البنزين والديزل وغاز الطهي بأسعار أقل من التكلفة.
وفي جميع هذه الدول، بدأت السيارات الكهربائية تحقق انتشاراً متزايداً بفضل التحسن السريع في التكاليف.
ففي إندونيسيا وتايلاند، كانت أكثر من 30% من السيارات المبيعة في فبراير تعمل بالكامل بالبطاريات.
وفي الهند، حيث كان انتشار التنقل الكهربائي أبطأ، قفزت المبيعات رغم ذلك بنسبة 41% في أبريل مقارنة بالعام السابق، بينما تشكل عربات “الريكشا” الكهربائية 60% من هذه السوق.
هل تنهى السيارات الكهربائية أزمة النفط والعملات؟
رغم أن السياسات الحكومية المضطربة لم تساعد دائماً في تسريع هذا التحول، فإن قوة الطلب الاستهلاكي على البدائل تبدو واضحة للغاية.
وفي الدول التي تدعم الوقود، كما هو الحال في معظم أنحاء آسيا، ينبغي استخدام أي مساحة مالية إضافية لإلغاء الضرائب على واردات السيارات الكهربائية ودعم شرائها وبرامج التخلص من المركبات التقليدية القديمة.
ستكون التكلفة مجرد جزء بسيط من المبالغ الضخمة التي ستُنفق لخفض تكلفة واردات النفط على مدى سنوات عبر الدعم، أما الوفورات الكبيرة المتعلقة بصحة البشر والمناخ، فتأتي مجاناً.
وينطبق الأمر نفسه على الغاز الطبيعي المسال، وهو مصدر مكلف وغير مستقر للطاقة الكهربائية، باتت طاقة الرياح والطاقة الشمسية والبطاريات تتفوق عليه بشكل متزايد.
وفي الشرق الأوسط، جنت بعض أغنى الاقتصادات ثروات عبر تصدير النفط والغاز لعقود إلى اقتصادات تُعدّ من الأدنى دخلاً في العالم، لكن التكنولوجيا النظيفة بدأت أخيراً في إرساء نموذج مختلف، مانحةً الناس القدرة على إنتاج طاقة أرخص لعقود مقبلة، وإذا اغتنمت الدول الناشئة هذه اللحظة، فقد تكون هذه آخر مرة تتحول فيها أزمة الطاقة إلى أزمة عملات.






