لا يزال من المبكر الاطمئنان إلى وتيرة تعافي اقتصاد الصين، فثمة سلسلة من البيانات المخيبة للآمال تشير إلى الحاجة لمزيد من إجراءات التحفيز، رهناً بقدرة المسؤولين على حشد جهودهم اللازمة لتحقيق ذلك.
ثمة تراجع في حالة التفاؤل بشأن النمو، والتي كانت سائدة على نطاق واسع خلال الأشهر الأولى من العام.
تعاني الصين من تباين في الأداء الاقتصادي، إذ تزدهر الصادرات بينما تضعف المحركات المحلية للنمو.
هذا النموذج الاقتصادي المرتبط بالطلب العالمي، لا بالظروف المحلية، هو ما سعت بكين سابقاً للتحرر منه .. لكن قبضته ما زالت تهيمن على المشهد للأسف.
ولا يبدي المستهلكون شهية كبيرة للإنفاق، إذ سجلت مبيعات التجزئة أداءً ضعيفاً للغاية في مايو، بعدما تراجعت بأكبر وتيرة منذ إعادة فتح الاقتصاد عقب الجائحة.
وانخفضت المبيعات بنسبة 0.6%، أي ثلاثة أمثال التراجع الذي كان متوقعاً.
تبدد آمال التعافي العقاري في الصين
كما تراجع بشكل حاد مؤشر رئيسي يحظى بمتابعة واسعة لقياس الاستثمار، وانخفضت مبيعات المنازل الجديدة.
وكان انخفاض مبيعات المنازل لافتاً، بعدما تنامت الثقة بأن أسوأ موجة تراجع في القطاع العقاري قد انتهت.
لم تكن بوادر التعافي في القطاع العقاري سوى استثناءات محدودة، اقتصرت في نطاقها على كبرى المدن.ولكن، هل يجوز لصناع السياسات التغاضي عن هذا التراجع في الزخم الاقتصاد؟
لم يُظهر البنك المركزي قلقاً بشأن ذلك، وهو موقفٌ يفتقر إلى الحكمة. وقد حان الوقت لوضع خفض أسعار الفائدة على جدول الأعمال.
خصص بان قونغ شنغ، محافظ بنك الشعب الصيني، خطاباً في 17 يونيو لشرح إعادة صياغة آلية تحديد أسعار الفائدة، متجنباً أي تلميح لاحتمال خفض وشيك لها. وكان ذلك بمثابة فرصة مهدرة.
نهج التقشف غير المبرر في موازنة الصين
على صعيد الموازنة، لا تبدو الحكومة مستعدة لمنح الاقتصاد دفعة إضافية.
فقد تراجع العجز المالي خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، وهو تطور غير معتاد.
ويبدو أن التقشف، بدلاً من التحفيز، أصبح نهج المرحلة الحالية، وهو خطأ آخر.
ورغم فاعلية أسعار الفائدة باعتبارها أداة للسياسة النقدية، إلا أنها لا تشكل حلاً شاملاً لكافة التحديات.
ويستفيد الاقتصاد بشكل أكبر عندما تتكامل أدوات السياسة المالية والنقدية، أو على الأقل عندما لا تعمل إحداهما ضد الأخرى.
ولا شك أن الاقتصاد الصيني يحتاج إلى دعم إضافي، خصوصاً في ظل بقاء الأسعار تحت السيطرة.
تمكنت الصين، في الوقت الحالي، من تجاوز فترة اتسمت بمعدلات تضخم منخفضة بشكل خطير. لكن مع بقاء ارتفاع أسعار المستهلكين عند نحو 1%، فإن تعزيز الطلب بشكل أكبر سيكون أمراً مفيداً.
الاستفادة من الدروس التاريخية (جرينسبان نموذجاً)
عندما واجه آلان جرينسبان، الرئيس السابق للاحتياطي الفيدرالي الذي توفي يوم الإثنين، وضعاً مشابهاً في عام 2003، رأى أن ذلك لم يكن كافياً. خفض الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة للمرة الأخيرة في تلك الدورة خلال يونيو، ليس لأن الاقتصاد كان يواجه تباطؤاً وشيكاً، بل لأنه أراد اتخاذ إجراء وقائي تحسباً لأي تدهور إضافي غير مرغوب فيه أو احتمال حدوث انكماش سعري.
إذا كان الهدف يقتصر على تحقيق مستهدفات النمو التي أعلنها الرئيس شي جين بينج، فقد تكون بعض المخاوف الحالية سابقة لأوانها.
فقد خفض قادة البلاد مستهدف النمو لعام 2026 إلى نطاق يتراوح بين 4.5% و5%، وهو معدل يُعد إنجازاً جيداً رغم أنه الأدنى منذ عام 1991.
وبهذا المقياس، فإن بداية قوية خلال الربع الأول، تليها تسعة أشهر متوسطة الأداء، ستكون كافية لبلوغ الحكومة هدفها.
مع ذلك، يرى مستشار لدى بنك الشعب الصيني أن المسؤولين بحاجة إلى اتخاذ مزيد من الإجراءات.
ورغم الأداء القوي لقطاع التصدير، فإن مساهمة بهذا الحجم من قطاع واحد ليست قابلة للاستمرار على المدى الطويل.
كما أن تراجع دور المستهلك في الاقتصاد لا يبشر بنجاح مستدام على المدى الطويل.
تحدي إعادة التوازن إلى اقتصاد الصين
قال هوانغ ييبينغ، عضو لجنة السياسة النقدية، إن إعادة التوازن للاقتصاد تمثل مهمة “بالغة الأهمية”. لكن القول أسهل من الفعل.
وبعد عقدين، لا تزال الصادرات تمثل محركاً هائلاً للاقتصاد.
ويبدو أن ذلك كافٍ بالنسبة إلى بكين في الوقت الراهن. لكن من الخطأ الإفراط في الاطمئنان إلى الوضع القائم، فكل موجة ازدهار لها نهاية.








