تشهد صناعة رأس المال الجريء تحولًا غير مسبوق مع بروز جيل جديد من المستثمرين، الذين يراهنون على شركات الذكاء الاصطناعي الخاصة، في وقت تبقى فيه هذه الشركات خارج أسواق المال لفترات أطول، وهو ما يعيد تشكيل قواعد الاستثمار ويمنح المستثمرين الأوائل فرصًا لتحقيق مكاسب هائلة.
وتبرز ياسمين رضوي، الشريكة العامة في شركة “سبارك كابيتال”، كواحدة من أبرز رموز هذا التحول، إذ تعد المستثمرة الخارجية الوحيدة في مجلس إدارة شركة “أنثروبيك”، إحدى أكبر شركات الذكاء الاصطناعي في العالم، والمطور لنموذج الذكاء الاصطناعي التوليدي الشهير “كلود”.
وجاء دخول “سبارك كابيتال” إلى “أنثروبيك” في مايو 2023، عندما قادت جولة التمويل الثالثة للشركة، بعد نحو عامين من تأسيسها على يد الشقيقين داريو أمودي ودانييلا أمودي، اللذين غادرا شركة “أوبن إيه آي”، المطورة لنموذج الذكاء الاصطناعي “شات جي بي تي”، بسبب مخاوف تتعلق بسلامة الذكاء الاصطناعي.
ويعكس هذا الاستثمار نهجًا جديدًا في عالم رأس المال الجريء، يقوم على ضخ استثمارات كبيرة في شركات خاصة حتى بعد وصولها إلى تقييمات مرتفعة، مع الاستمرار في تمويلها عبر جولات متتالية، بدلًا من الاكتفاء بالاستثمار في المراحل الأولى والسعي إلى إدراجها سريعًا في البورصة، بحسب ما أوردته صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية.
ورغم أن شركات استثمارية مثل “سبارك كابيتال”، و”جيجافند”، و”جرين أوكس” لا تزال غير معروفة على نطاق واسع خارج وادي السيليكون وبورصة “وول ستريت”، فإنها أصبحت من أبرز المستفيدين من طفرة الذكاء الاصطناعي، بعدما حققت استثماراتها قفزات هائلة في القيمة.
ويجمع بين هذه الشركات الاستثمارية تبنيها استراتيجية تقوم على الصبر والاستثمار طويل الأجل، إذ تواصل ضخ الأموال في الشركات الخاصة لمساعدتها على التوسع وتعزيز تفوقها على المنافسين، في وقت تبقى فيه بعيدة عن الأسواق العامة.
ويرى خبراء أن هذا النهج يختلف جذريًا عن النموذج التقليدي الذي اتبعته شركات مثل “سيكويا كابيتال” و”كلاينر بيركنز”، والتي كانت تعتمد على استثمارات صغيرة في المراحل المبكرة، والعمل بشكل مباشر مع الشركات الناشئة قبل إدراجها في البورصة خلال فترة لا تتجاوز عادة 5 سنوات.
وقال مايكل موريتز، الذي شارك في إدارة “سيكويا كابيتال” لمدة 16 عامًا، إن استثمارات رأس المال الجريء أصبحت اليوم تشبه الطروحات العامة الأولية، حيث يشتري المستثمرون حصصًا كبيرة دون السعي إلى ممارسة نفوذ مباشر داخل الشركات، وأضاف أن حجم الأموال المتاحة للاستثمار اليوم يفوق بكثير ما كان عليه في الماضي، مؤكدًا أن نشاط رأس المال الجريء تغير بالكامل.
وتؤكد البيانات هذا التحول، إذ جمعت الشركات الناشئة الأمريكية 321 مليار دولار خلال العام الماضي، مقارنة مع 84 مليار دولار في عام 2016، بينما تجاوز متوسط جولات التمويل في المراحل المتأخرة مليار دولار حتى الآن هذا العام، بعدما كان يبلغ نحو 65 مليون دولار فقط في السابق.
وبالنسبة إلى ياسمين رضوي، كان الاستثمار في أنثروبيك نقطة التحول الأبرز في مسيرتها المهنية، ففي خريف عام 2022، علمت أن الشركة تستعد لتحويل أبحاثها في الذكاء الاصطناعي إلى نشاط تجاري، فتوجهت إلى مقرها في سان فرانسيسكو للاستماع إلى عرض قدمه داريو أمودي والمؤسس المشارك نيراف كينجسلاند حول رؤية الشركة.
ورغم أن شركة “أوبن إيه آي” كانت تتصدر المشهد آنذاك، فإن رضوي كانت مقتنعة بأن السوق قادر على استيعاب أكثر من لاعب رئيسي، وأن “أنثروبيك” ستكون واحدة من الشركات الرائدة.
وفي حين رفض العديد من المستثمرين ضخ أموال في شركة تبلغ قيمتها 4 مليارات دولار دون أن تمتلك منتجًا أو إيرادات، أعدت رضوي دراسة تفصيلية حول منظومة الذكاء الاصطناعي بالكامل، ثم أتبعتها بمذكرة ثانية تناولت جميع الاعتراضات المحتملة على الاستثمار، وبعد موافقة فريقها، قادت “سبارك كابيتال” جولة تمويل بقيمة 75 مليون دولار، وهي أكبر استثمار منفرد في تاريخ الشركة آنذاك.
واليوم، تقدر قيمة حصة “سبارك كابيتال” في “أنثروبيك” بنحو 7 مليارات دولار، وفقًا لأشخاص مطلعين، استنادًا إلى أحدث تقييم للشركة البالغ 965 مليار دولار، كما انعكس هذا النجاح على مكانة “سبارك كابيتال”، التي أعلنت في يونيو جمع 3.3 مليار دولار لصندوقين استثماريين جديدين، في أكبر عملية جمع أموال بتاريخها.
ورغم المكاسب الكبيرة، يحذر بعض المستثمرين المخضرمين من مخاطر دفع تقييمات مرتفعة للغاية، وقال هاورد مورجان، الذي يعمل في قطاع رأس المال الجريء منذ نحو 50 عامًا، إن المنافسة على الصفقات أصبحت أشد من أي وقت مضى، في ظل تدفق رؤوس أموال ضخمة إلى عدد محدود من الشركات.
وأضاف أن تقييم الشركات الناشئة في المراحل المبكرة كان يبلغ في الماضي نحو 1.5 مليون دولار فقط، مؤكدًا أن المستثمرين أصبحوا اليوم مطالبين بانتقاء الفرص بعناية أكبر.







