وقال تيلبرت ناجلر، الذي تنتج عائلته منتجات العنب منذ 6 أجيال من مزارع الكروم الواقعة على سفوح وادي نهر الراين غرب ألمانيا، إن موجات الحر باتت تهدد محصول العنب وترفع تكاليف إنتاج موسم 2026، مضيفًا: “نتوقع إنتاجًا أقل هذا الموسم بسبب انخفاض معدلات هطول الأمطار، كما سيبدأ موسم الحصاد قبل أسبوع من الموعد المخطط له”.
وأشار إلى أن التكاليف آخذة في الارتفاع أيضًا، إذ يؤدي انخفاض منسوب المياه في نهر الراين، الذي يعد شريانًا حيويًا للشحن والخدمات اللوجستية في وسط أوروبا، إلى زيادة تكاليف النقل، بينما قد يضطر المنتجون في المنطقة إلى تعديل أنظمة الري الخاصة بهم للتكيف مع موجات الحر.
ووفقًا لخدمة “كوبرنيكوس” لتغير المناخ، بلغت درجات حرارة الهواء السطحية في غرب أوروبا خلال الشهر الماضي مستويات تزيد بنحو 3 درجات مئوية عن متوسط الفترة بين عامي 1991 و2020، كما سجل نظام “يورومومو” الأوروبي لمراقبة الوفيات أكثر من 10 آلاف حالة وفاة زائدة خلال موجة الحر التي ضربت القارة في أواخر يونيو، بحسب تقرير صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية.
وقالت الوكالة الأوروبية للبيئة إن أوروبا، التي تعد أسرع قارات العالم ارتفاعًا في درجات الحرارة، تواجه مستقبلًا يشهد موجات حر أكثر تكرارًا وشدة، مشيرة إلى أن موجات الحر الشديدة والجفاف وحرائق الغابات مرشحة للتفاقم حتى في ظل السيناريوهات الأكثر تفاؤلًا.
ولا يقتصر تأثير ارتفاع درجات الحرارة على الصحة العامة، بل يمتد إلى الاقتصاد أيضًا، ووفقًا لصندوق النقد الدولي، يمكن للظواهر المناخية المتطرفة مثل موجات الحر والجفاف أن تقتطع ما بين 0.1 و0.2 نقطة مئوية من معدل النمو الاقتصادي السنوي، بينما قد تؤدي موجات الحر والجفاف الشديدة إلى خفض النمو بما يصل إلى 0.5 و1 نقطة مئوية على التوالي.
وبالنسبة لمنطقة اليورو، التي تعرضت لسلسلة من الصدمات الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة، فإن أي عقبات إضافية أمام التعافي الاقتصادي ستكون غير مرحب بها، وهو ما بدأ البنك المركزي الأوروبي في أخذه بعين الاعتبار.
ففي وقت سابق من هذا العام، عقد البنك المركزي الأوروبي أول مؤتمر له حول المناخ والطبيعة والسياسة النقدية، وسلط الضوء خلاله على المخاطر التي قد يشكلها تغير المناخ على الناتج الاقتصادي.
لكن كارستن بريزيسكي، الرئيس العالمي لأبحاث الاقتصاد الكلي في شركة “آي إن جي” للأبحاث، قال إن البنك المركزي الأوروبي لا يبدو حتى الآن أنه يأخذ تأثيرات تغير المناخ في الحسبان بشكل كامل عند إعداد توقعاته الاقتصادية، وأضاف: “يتعين عليهم بالتأكيد أخذ ذلك في الاعتبار، وعليهم التعامل معه كما يتعاملون مع أي صدمة أخرى في جانب العرض”، مشيرًا إلى أوجه الشبه مع صدمة أسعار الطاقة الأخيرة الناجمة عن الصراع في الشرق الأوسط.
وتعد أسعار المواد الغذائية، التي تحظى باهتمام خاص من جانب البنوك المركزية بسبب تأثيرها الكبير على المستهلكين، من أكثر الأسعار تأثرًا بموجات الحر، ووفقًا لشركة “أوكسفورد إيكونوميكس”، فإن الأحوال الجوية المتطرفة خلال هذا الصيف ستكون عاملًا أكبر في دفع تضخم أسعار الغذاء في منطقة اليورو خلال العام المقبل مقارنة بالحرب مع إيران، التي أدت إلى ارتفاع أسعار الأسمدة.
وعلى امتداد نهر الراين، بدأت الآثار الاقتصادية تظهر بالفعل خارج قطاع العنب، حيث انخفض منسوب المياه هذا الأسبوع عند محطة قياس كوب، وهي المحطة التي يراقبها قطاع النقل عن كثب وتقع في الجزء الضحل من نهر الراين أسفل مصنع النبيذ التابع لناجلر، إلى أقل من 50 سنتيمترًا، أي ما يقارب 20 بوصة.
ووفقًا لتحليل أعده “دويتشه بنك”، فإن ذلك يعني أن سفينة الحاويات التقليدية التي تعبر نهر الراين لا يمكنها المرور إلا إذا كانت محملة بأقل من 20% من طاقتها، وهو ما يؤدي إلى فرض رسوم إضافية على عمليات النقل، أما إذا انخفض منسوب المياه إلى أقل من 40 سنتيمترًا، أي نحو 16 بوصة، فعادة ما يتم تعليق حركة الشحن النهري.
وقالت شركة “باسف” الألمانية العملاقة للكيماويات، التي يقع مقرها في مدينة لودفيجسهافن على ضفاف نهر الراين، إن الوضع لا يزال “قابلًا للإدارة” في الوقت الحالي، إلا أن نقل الشحنات يتطلب حاليًا عددًا أكبر من السفن مقارنة بالمعتاد، لأن السفن لم تعد قادرة على الإبحار بكامل حمولتها.
ومن المتوقع أيضًا أن تؤثر موجات الحر بشكل كبير في إنتاجية العمال، ففي مدينة برشلونة، بدأ بعض العاملين في المواقع الخارجية ارتداء أساور لمراقبة الحرارة تقيس درجة حرارة الجسم، وتتيح لهم التوقف عن العمل إذا رصدت خطر الإصابة بارتفاع مفرط في الحرارة.
وقال روبرت ماركس، كبير اقتصاديي المناخ في شركة “أوكسفورد إيكونوميكس”، إن موجة الحر التي استمرت 4 أيام وضربت غرب أوروبا خلال الأسبوع الأخير من يونيو ربما خفضت نمو إنتاجية العمل الفصلية بمقدار نقطتين مئويتين.
وترى شركة “أليانز” الألمانية للتأمين أن أوروبا تعد أكثر عرضة لتأثيرات موجات الحر الشديدة، لأن معظم المباني فيها صُممت للاحتفاظ بالدفء، فضلًا عن كثافة المدن وارتفاع متوسط أعمار السكان، وأضافت الشركة أن 19% فقط من المباني في أوروبا مزودة بأجهزة تكييف، مقارنة بنحو 90% في الولايات المتحدة.
ويهدد التكيف مع درجات الحرارة المرتفعة بإضافة أعباء مالية كبيرة جديدة على الشركات والميزانيات الحكومية خلال السنوات المقبلة، حيث قال بريزيسكي: “هذه بمثابة جرس إنذار، لا بد من تسريع وتيرة الاستثمارات لتعويض التأخر”، مضيفًا أن المكاتب التي تفتقر إلى أجهزة التكييف مرشحة أيضًا لتسجيل تراجع في الأداء.
وقد تؤدي فصول الصيف الأكثر حرارة كذلك إلى تغيير أنماط السياحة الأوروبية، إذ قد يتجه الأوروبيون مستقبلًا إلى قضاء عطلاتهم في مناطق أكثر برودة، لتتحول الرحلات التقليدية إلى سواحل البحر المتوسط نحو بحر الشمال أو منطقة بحر البلطيق.
لكن مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة، قد تواجه حتى السياحة في شمال أوروبا صعوبات، ففي مدينة روديسهايم أم راين، التي تبعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة فرانكفورت، قال ناجلر إن عدد الزوار الذين يقصدون مصنع النبيذ تراجع خلال موجة الحر، كما أن من يزورونه يشربون كميات أقل من النبيذ مقارنة بالمعتاد، وأضاف: “إنهم يشربون المزيد من المياه بدلًا من ذلك”.








