أعاد تصاعد المنازعات بين المطورين العقاريين والعملاء فتح ملف عقود بيع الوحدات تحت الإنشاء، وسط مطالبات بإعادة تنظيم العلاقة التعاقدية بين الطرفين، ووضع إطار قانوني أكثر توازنًا يضمن حقوق المشترين ويحافظ في الوقت نفسه على استدامة نشاط التطوير العقاري.
ويرى خبراء بالسوق أن العديد من العقود المتداولة حاليًا تمنح المطورين مرونة واسعة في بعض البنود، مقابل التزامات وغرامات أكثر صرامة على العملاء، ما يستدعي مراجعة منظومة التعاقد، سواء من خلال اعتماد نماذج عقود موحدة، أو وضع ضوابط تلزم الشركات بمواصفات واضحة للوحدات ومواعيد التسليم وآليات استخدام الخدمات المشتركة.
أهاب: تحديد ضوابط «الخدمات والمرافق المشتركة» بالعقود يمنع النزاعات قبل التسليم
وقال أحمد أهاب، الرئيس التنفيذي لشركة «مدار للتطوير العقاري»، إن العلاقة بين المطور والعميل يحكمها العقد المبرم بين الطرفين، ولا يجوز تعديل أي من بنوده إلا بموافقة الطرفين، مشيرًا إلى أن القضاء المصري يوفر حماية قانونية للمشتري حال إخلال المطور بالتزاماته التعاقدية.
وأضاف لـ«البورصة» أن العميل يجب أن يراجع جميع بنود العقد بدقة قبل التوقيع، مع إمكانية التفاوض على بعض الشروط قبل إبرام التعاقد، إذا وافق المطور على ذلك.
وأوضح أهاب أن أغلب الخلافات بين المطورين والعملاء لا ترتبط بالمساحات أو الجوانب المالية، وإنما تتركز في استخدام الخدمات والمرافق المشتركة داخل المشروعات، مثل ضوابط استخدام المناطق الترفيهية، والـ«كلوب هاوس»، والحدائق، وآليات دخول الزائرين.
وأشار إلى أن عدم تحديد هذه البنود بشكل واضح داخل بعض العقود يفتح الباب أمام اختلاف التفسيرات بعد التسليم، ما يؤدي إلى نشوب نزاعات بين الطرفين.
وأكد أن القانون يمنح المشتري حق اللجوء إلى القضاء للمطالبة بحقوقه حال إخلال المطور بالتزاماته، كما يتيح له في بعض الحالات المطالبة بوقف سداد الأقساط لحين تنفيذ المطور لالتزاماته، وفقًا لما تقرره الجهات القضائية وبحسب ظروف كل حالة.
ودعا أهاب إلى ضرورة منح مزيد من الاهتمام للبنود الخاصة بالخدمات والمرافق المشتركة، باعتبارها من أكثر النقاط التي تشهد خلافات بعد استلام العملاء لوحداتهم.
جادو: مطلوب إطار تشريعي يُلزم بـ«كراسة مواصفات فنية» لتوازن أطراف التنمية العقارية
وقال عبدالمجيد جادو، الخبير العقاري، إن السوق العقارية المصرية أصبحت بحاجة إلى إطار تشريعي ينظم عقود بيع الوحدات تحت الإنشاء، بما يحقق توازنًا حقيقيًا بين حقوق والتزامات المطورين والعملاء، خاصة في ظل المتغيرات الاقتصادية وارتفاع تكاليف التنفيذ خلال السنوات الأخيرة.
وأضاف أن التقلبات الاقتصادية أثرت على تنفيذ عدد من التعاقدات، ما يتطلب وجود آلية قانونية واضحة تحافظ على حقوق جميع الأطراف، دون التأثير على استمرار النشاط العقاري باعتباره أحد القطاعات الرئيسية المحركة للاقتصاد.
وأوضح أن منظومة التطوير العقاري تقوم على 4أطراف رئيسية تشمل البيئة القانونية، والمطور أو المستثمر والممول، والمكتب الهندسي، ثم مشتري الوحدة، مؤكدًا أن استقرار السوق يتطلب تحقيق التوازن بين هذه الأطراف.
وطالب جادو الدولة بالإسراع في وضع تشريع يمنحها دورًا رقابيًا على عقود بيع الوحدات تحت الإنشاء، بحيث تصبح طرفًا منظمًا للعلاقة بين المطور والمشتري، ويضمن وضوح الحقوق والالتزامات.
تابع أن المطور لديه حقوق وعليه التزامات، كما أن العميل يتمتع بحقوق ويلتزم بواجبات، وهو ما يستوجب وجود مظلة قانونية تحقق العدالة بين الطرفين.
وأشار إلى أن ارتفاع تكاليف التنفيذ دفع بعض المطورين إلى تعديل بعض المواصفات أو التأخر في التسليم مقارنة بما تم الاتفاق عليه عند التعاقد، ما أدى إلى زيادة المنازعات ووصول عدد منها إلى ساحات القضاء.
وشدد على أن معالجة النزاعات لا تبدأ بعد وقوعها، وإنما من خلال منظومة رقابية وتشريعية تضع قواعد واضحة للتعاقد وتحد من الخلافات، مع الحفاظ على قدرة الشركات على الاستمرار وتنفيذ مشروعاتها.
وطالب بأن تتضمن عقود البيع كراسة مواصفات فنية ملزمة تحدد جميع تفاصيل الوحدة، بدءًا من مراحل التنفيذ، مرورًا بجودة التشطيبات، ووصولًا إلى أعمال التشغيل والصيانة، بما يضمن وضوح التزامات المطور وحقوق المشتري.
وأوضح أن العقود الحالية تتضمن في كثير من الأحيان غرامات صارمة على العملاء عند التأخر في سداد الأقساط، بينما لا تتضمن آليات مماثلة بالفاعلية نفسها لمحاسبة المطور عند التأخر أو الإخلال بالتزاماته، مؤكدًا أن تحقيق العدالة يتطلب تطبيق مبدأ توازن الحقوق والواجبات على الطرفين.
المنشاوي: اعتماد «العقد الموحد» وتفعيل «حساب الضمان» يمنعان استغلال أموال المشترين
وقال رضا المنشاوي، المحامي بالاستئناف العالي ومدير المبيعات بشركة «ديارنا للتسويق العقاري»، إن العقود المتداولة حاليًا في السوق العقارية لا توفر الحماية الكافية للمشترين، إذ تركز أغلب بنودها على ضمان حقوق المطور، مقابل محدودية الضمانات المتاحة للعملاء في حالات التأخير أو الإخلال بالتعاقد.
وأوضح أن السوق تحتاج إلى اعتماد عقد موحد أو نماذج عقود معتمدة من الجهة الإدارية المختصة، سواء هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة أو وزارة الإسكان أو الجهات صاحبة الولاية، قبل طرحها على العملاء، بما يضمن وجود حد أدنى من البنود الأساسية التي تحمي حقوق المشترين وتنظم التزامات المطورين.
وطالب المنشاوي بتفعيل نظام حساب الضمان في مشروعات الأراضي التي تطرحها الدولة للمطورين، بحيث يتم توجيه أموال العملاء إلى تنفيذ المشروع محل البيع، وعدم استخدامها في شراء أراضٍ جديدة أو تمويل مشروعات أخرى، بما قد يؤثر على معدلات التنفيذ ويؤدي إلى تأخر التسليم.
وأضاف أن من البنود التي تثير النزاعات أيضًا منح المطور حق تعديل الـ«ماستر بلان» أو إضافة أدوار جديدة للمباني بعد البيع، بما قد يؤثر على الكثافات السكانية وحصص ملاك الوحدات في الأرض والمرافق، إلى جانب البنود التي تسمح بفرز المشروع أو تجزئته وبيع أجزاء منه لمطورين آخرين، بما يغير طبيعة المشروع التي تعاقد عليها العميل.
جرامون:ربط التدفقات المالية بنسب الإنجاز الفعلي يحد من مخاطر تعثر المطورين
وقال حسام جرامون، الشريك المؤسس لشركة «أدسيرو» للاستشارات القانونية، إن غياب جهة تنظيمية موحدة للإشراف على القطاع العقاري يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه السوق، في ظل اختلاف عقود البيع من مطور إلى آخر، ما يؤدي إلى تفاوت الحقوق والالتزامات وزيادة المنازعات بين الشركات والعملاء.
وأشار إلى أن ربط التدفقات المالية بنسبة الإنجاز يحد من مخاطر تعثر الشركات، ويضمن توجيه حصيلة المبيعات إلى تنفيذ المشروع ذاته، بدلًا من استخدامها في تمويل توسعات أو مشروعات أخرى.
وأكد جرامون أن التعامل مع تعثر المشروعات يختلف بحسب طبيعة الحالة، موضحًا أن المشروعات الوهمية التي تجمع أموال العملاء دون تنفيذ تدخل ضمن جرائم النصب وتخضع للعقوبات القانونية، بينما يخضع تعثر المطور الذي بدأ التنفيذ للإجراءات القانونية المنظمة للإفلاس، بما يتيح للمتضررين المطالبة بحقوقهم.
وأضاف أن وجود جهة تنظيمية متخصصة سيسهم في وضع ضوابط تربط بين نسب الإنجاز الفعلية وحجم الأموال التي يتم تحصيلها من العملاء، بما يحد من دخول شركات غير مؤهلة ماليًا إلى السوق.
نظير: القضاء يكفل فسخ التعاقد والتعويض عند الإخلال.. ومطلوب تكافؤ غرامات التأخير
وقال عمرو نظير، المحامي، إن العقود المبرمة بين شركات التطوير العقاري والعملاء تظل المرجع القانوني الأساسي لتنظيم العلاقة بين الطرفين، وأن أي إخلال ببنودها يرتب مسؤولية قانونية تتيح للطرف المتضرر المطالبة بحقوقه.
وأوضح أن العقد يجب أن يتضمن بصورة واضحة موعد تسليم الوحدة، والغرامات، وآليات التعويض، مؤكدًا أن العميل يحق له فسخ التعاقد والمطالبة بالتعويضات والغرامات المتفق عليها حال إخلال المطور بالتزاماته.
وأضاف أن المحاكم أصدرت العديد من الأحكام لصالح العملاء في النزاعات العقارية، مشيرًا إلى أن التحدي في بعض الحالات لا يرتبط بالحصول على حكم قضائي، وإنما بقدرة العميل على تنفيذ الحكم حال عدم توافر أصول أو أموال لدى المطور.
وأشار إلى أن أكثر البنود التي تؤدي إلى نشوب الخلافات بين المطورين والعملاء ترتبط بمواعيد تسليم الوحدات، مطالبًا بإدراج غرامات وتعويضات واضحة عند تأخر المطور عن التسليم، أسوة بالغرامات المفروضة على العميل عند التأخر في سداد الأقساط.
وأكد أن دور الدولة يجب أن يتركز على وضع القواعد المنظمة للعلاقة بين الطرفين، بحيث يتحمل كل طرف مسئولية إخلاله بالتزاماته ويحصل على حقوقه كاملة عند الالتزام بالعقد.








