تراهن الفنادق العاملة فى السوق المصري على تنمية سوق السياحة طويلة الأجل باعتباره أحد أبرز محركات نمو الإيرادات خلال السنوات المقبلة، فى ظل التحولات التى تشهدها صناعة الضيافة عالمياً، واتجاه شريحة متزايدة من السائحين إلى الإقامة لأسابيع أو أشهر بدلاً من الرحلات القصيرة، مدفوعة بانتشار العمل عن بُعد، وارتفاع أعداد المتقاعدين الباحثين عن وجهات دافئة منخفضة التكلفة، إلى جانب تنامى الطلب على السياحة العلاجية والتعليمية.
ويرى مستثمرون وخبراء، أن مصر تمتلك مقومات قوية للاستفادة من هذا التوجه، فى ظل تنوع المقاصد السياحية، واعتدال المناخ على مدار العام، وانخفاض تكلفة المعيشة مقارنة بالعديد من الوجهات المنافسة، بما يعزز فرص زيادة متوسط مدة إقامة السائح، ورفع نسب الإشغال الفندقى، وتعظيم العائد من كل زائر، بالتوازى مع خطة الدولة لزيادة الطاقة الفندقية واستقبال 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2030.
سعد: السائح طويل الإقامة يعد من أكثر الفئات تحقيقاً للعائد الاقتصادى
قال سامح سعد مستشار وزير السياحة الأسبق، إن المنافسة بين المقاصد السياحية لم تعد تعتمد على جذب أكبر عدد من السائحين فقط، وإنما أصبحت ترتكز على زيادة عدد الليالى السياحية، باعتبارها المؤشر الأكثر تأثيراً فى حجم الإنفاق والعائد الاقتصادى. فكل ليلة إضافية يقضيها السائح داخل المقصد السياحى تنعكس على إيرادات الفنادق والمطاعم ووسائل النقل ومراكز التسوق والأنشطة الترفيهية، بما يضاعف مساهمة القطاع فى الناتج المحلى.
أضاف أن سوق الضيافة العالمى يشهد تحولاً واضحاً نحو الإقامة الممتدة، مع توسع كبرى العلامات الفندقية فى إنشاء فنادق وشقق فندقية مخصصة لهذا النمط، مزودة بمطابخ صغيرة، ومساحات للعمل، وخدمات غسيل الملابس، وقاعات للاجتماعات، بما يلائم احتياجات العاملين عن بُعد، والعائلات، والمتقاعدين، والدارسين، والمرضى القادمين للعلاج.
وأوضح سعد، أن مصر تستطيع اقتناص جزء من هذا السوق، خاصة فى ظل امتلاكها شواطئ ممتدة على البحرين الأحمر والمتوسط، ومقاصد ثقافية وأثرية فريدة، فضلاً عن تحسن البنية التحتية خلال السنوات الأخيرة، وافتتاح مشروعات سياحية وعمرانية جديدة فى العلمين الجديدة ورأس الحكمة والعاصمة الإدارية.
وأشار إلى أن السائح طويل الإقامة يعد من أكثر الفئات تحقيقاً للعائد الاقتصادى، إذ لا يقتصر إنفاقه على الإقامة الفندقية، وإنما يمتد إلى المطاعم والمقاهى ووسائل النقل والرحلات الداخلية والتسوق والخدمات الطبية والترفيهية، وهو ما يرفع متوسط الإنفاق لكل زائر مقارنة بالسائح التقليدى الذى يقضى عدة أيام فقط.
وأكد سعد، أن هذا النمط يحقق ميزة إضافية للفنادق تتمثل فى استقرار نسب الإشغال، وتقليل الاعتماد على المواسم السياحية، حيث تضمن الحجوزات الممتدة تدفقات نقدية مستقرة، وتخفض تكاليف التسويق وجذب العملاء مقارنة بالحجوزات اليومية أو الأسبوعية.
وتقدر بيانات وزارة السياحة والآثار، أن متوسط إنفاق السائح الوافد إلى مصر يتراوح بين 90 و 120 دولارا يوميا وهو ما يعنى أن زيادة إطالة متوسط مدة الإقامة خمس ليال إضافية قد ترفع إنفاق السائح الواحد بما يتراوح بين 450 و600 دولار ويبلغ متوسط إقامة السائح فى المقصد المصرى حاليا نحو 11 إلى 12 ليلة فيما تستهدف الدولة زيادة متوسط مدة الإقامة خلال السنوات المقبلة باعتبارها أحد أهم محركات نمو الإيرادات السياحية بالتوازى مع خططها لزيادة أعداد السائحين والطاقة الفندقية.
فؤاد: الغردقة ومرسى علم وشرم الشيخ تتصدر الوجهات الأكثر جذباً
وقال حليم فؤاد الرئيس التنفيذى لشركة ديكس سكويرد لإدارة وتشغيل الفنادق، إن مدن البحر الأحمر تتصدر وفى مقدمتها الغردقة ومرسى علم وشرم الشيخ، قائمة الوجهات الأكثر جذباً للإقامة الطويلة، بفضل اعتدال المناخ خلال فصل الشتاء، وتوافر المنتجعات المتكاملة، وارتفاع جودة الخدمات، بينما تمتلك القاهرة فرصة كبيرة لاستقطاب رجال الأعمال والعاملين عن بُعد، مع التوسع فى الشقق الفندقية والفنادق التى توفر خدمات تتناسب مع الإقامة الممتدة.
وأضاف أن مدينة العلمين الجديدة تأتى كوجهة واعدة خلال أشهر الصيف، خاصة مع التوسع فى المشروعات السياحية والفندقية، فى حين تمتلك الأقصر وأسوان فرصة لزيادة مدة إقامة السائح من خلال ربط البرامج الثقافية برحلات البحر الأحمر والسياحة النيلية.
وأوضح فؤاد، أن الفنادق بدأت بالفعل فى إعادة صياغة استراتيجياتها لتلبية احتياجات هذا النوع من السائحين، عبر تقديم أسعار خاصة للإقامة الأسبوعية والشهرية، وتطوير الغرف لتضم مطابخ صغيرة، وتوفير خدمات الإنترنت فائق السرعة، وغرف الاجتماعات، ومساحات العمل المشتركة، بما يجعل الفندق أقرب إلى مقر إقامة متكامل وليس مجرد مكان للمبيت.
وأشار إلى أن الشقق الفندقية فرضت نفسها بقوة خلال السنوات الأخيرة، بعدما أصبحت الخيار المفضل لقطاع من السائحين الباحثين عن الخصوصية والإقامة لفترات طويلة، وهو ما دفع الفنادق إلى تطوير منتجات مشابهة تجمع بين الخدمات الفندقية الكاملة ومرونة الوحدات السكنية.
وأكد فؤاد، أن انتشار العمل عن بُعد يعتبر أحد أهم العوامل التى أعادت تشكيل خريطة الطلب السياحى عالمياً، إذ أصبح بإمكان الموظفين وأصحاب الأعمال إدارة أعمالهم من أى مكان، ما خلق شريحة جديدة تعرف بـ”الرحالة الرقميين”، تبحث عن وجهات تتمتع بمناخ جيد، وإنترنت سريع، وتكلفة معيشة مناسبة، وهو ما يمنح مصر فرصة للدخول بقوة إلى هذا السوق إذا نجحت فى تطوير الخدمات الرقمية والترويج لهذا النمط.
ولفت إلى أن شريحة المتقاعدين الأوروبيين تمثل سوقاً واعدة، حيث يفضل كثير منهم قضاء أشهر الشتاء فى الدول الدافئة بدلاً من البقاء فى بلدانهم ذات الطقس البارد، ويتميز هؤلاء بارتفاع متوسط مدة الإقامة واستقرار الإنفاق، ما يجعلهم من أكثر الفئات جذباً للفنادق.
عبدالصمد: زيادة متوسط مدة الإقامة أكثر أهمية من زيادة الأعداد
وقال إسلام عبد الصمد نائب الرئيس للتطوير لقطاعات الفنادق المميزة والمتوسطة والإقتصادية فى منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا لدى مجموعة أكور، إن تعظيم الاستفادة من السياحة طويلة الأجل يتطلب تطوير منظومة متكاملة تشمل تسهيل إجراءات التأشيرات، وزيادة رحلات الطيران المباشر ومنخفض التكلفة، والتوسع فى الخدمات الطبية، وتحسين جودة الإنترنت، وإنشاء مساحات عمل داخل الفنادق، إلى جانب تقديم حملات ترويجية تستهدف الرحالة الرقميين والمتقاعدين وسائحى العلاج.
وأضاف أن زيادة متوسط مدة إقامة السائح قد تكون أكثر أهمية من زيادة أعداد السائحين، إذ ينعكس ذلك بصورة مباشرة على الإيرادات الدولارية، ويحقق استفادة أكبر لمختلف الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالسياحة، وفى مقدمتها الضيافة، والنقل، والمطاعم، والتجزئة، والترفيه.
وتوقع عبد الصمد، أن يشهد هذا النمط نمواً متسارعاً خلال السنوات المقبلة، بالتزامن مع دخول استثمارات جديدة إلى قطاع الفنادق، وزيادة عدد الغرف الفندقية، وافتتاح مشروعات سياحية كبرى، وهو ما يعزز قدرة مصر على المنافسة فى سوق الإقامة الممتدة.
وأوضح أن الإقامة الطويلة أصبحت أحد أهم محاور النمو فى صناعة الضيافة، موضحاً أن النزيل الذى يقيم لمدة شهر يحقق للفندق استقراراً فى الإيرادات ونسب الإشغال، ويخفض تكلفة جذب العملاء مقارنة بالحجوزات القصيرة.
وأشار عبدالصمد، إلى أن مصر تمتلك فرصة كبيرة للتحول إلى مركز إقليمى للإقامة الطويلة، خاصة فى مدن البحر الأحمر، مشيراً إلى أن زيادة الطاقة الفندقية وتطوير الخدمات سيكونان عاملين رئيسيين فى جذب هذه الشريحة.
وأكد أن المنافسة بين المقاصد العالمية أصبحت تعتمد على زيادة الليالى السياحية وليس فقط أعداد الوافدين، مؤكداً أن كل ليلة إضافية يقضيها السائح داخل مصر تعنى زيادة فى الإنفاق على مختلف الأنشطة الاقتصادية، بما يدعم حصيلة النقد الأجنبى ويعزز مساهمة السياحة فى الاقتصاد القومى.







