يفتح مشروع تحويل البورصة المصرية إلى شركة مساهمة الباب أمام إعادة صياغة هيكل سوق رأس المال، بحيث لا تقتصر البورصة على إدارة سوق واحدة، وإنما تتحول تدريجيًا إلى مظلة لأسواق ومنصات أكثر تخصصًا تلائم احتياجات الشركات والمستثمرين واختلاف مستويات المخاطر والتمويل.
ويرى خبراء ومتخصصون تحدثوا لـ«البورصة» أن التحول، حال استغلاله ضمن خطة متكاملة لتطوير سوق المال، قد يمنح البورصة مرونة أكبر في اتخاذ القرار، وتطوير المنتجات، واستقطاب الشركات، وتحسين البنية التكنولوجية، بما يمهد لإطلاق مسارات إدراج أكثر تخصصًا للشركات الصغيرة والمتوسطة والناشئة، إلى جانب أسواق محتملة للسندات والصكوك وغيرها من الأدوات المالية.
لكن هذا السيناريو لا يحظى بإجماع بين المتعاملين، إذ يرى فريق أن تطوير الخدمات والمنتجات لا يتطلب تغيير الشكل القانوني للبورصة، بينما يحذر آخرون من أن التوسع في إنشاء أسواق ومنصات جديدة قبل زيادة قاعدة المستثمرين والسيولة قد يؤدي إلى تشتيت النشاط بدلًا من تعميقه.
حمدي: التحول يمنح البورصة مرونة لإعادة تقسيم الأسواق حسب أحجام الشركات
وقال هاني حمدي، العضو المنتدب لشركة مباشر لتداول الأوراق المالية، إن تحويل البورصة إلى شركة مساهمة يمكن أن يمثل جزءًا من عملية أوسع لإعادة هيكلة سوق المال وتعزيز استقلاليته ومرونته.
وأوضح أن العمل وفق هيكل مؤسسي أكثر استقلالًا، مع وجود رأس مال ومجلس إدارة واضح الصلاحيات، قد يساعد على تسريع القرارات المتعلقة بتطوير التكنولوجيا واستقطاب الكفاءات وإطلاق منتجات جديدة.
ويرى حمدي أن أحد أهم المسارات التي يمكن أن يفتحها التحول يتمثل في إنشاء أسواق أكثر تخصصًا للشركات وفقًا لأحجامها ومراحل نموها، بدلًا من إخضاع جميع الشركات لقواعد متقاربة رغم اختلاف طبيعة أعمالها واحتياجاتها التمويلية.
وأضاف أن البورصة لديها بالفعل تجربة في تقسيم السوق من خلال سوق الشركات الصغيرة والمتوسطة وسوق «تميز»، إلا أن هذه التجربة يمكن تطويرها لتصبح أكثر وضوحًا وتخصصًا، بما يسمح بانتقال الشركات تدريجيًا بين الأسواق المختلفة مع نمو أعمالها.
وأشار إلى أن الشركات الناشئة والصغيرة والمتوسطة قد تكون من أبرز المستفيدين من هذا النموذج، بشرط توافر صناع السوق والمحللين ورعاة القيد، إلى جانب برامج التوعية اللازمة لتوفير السيولة وجذب المستثمرين.
المصري: الهيكل الحالي يتيح التطوير دون الحاجة لتغيير الشكل القانوني للبورصة
وعلى الجانب الآخر، قال ياسر المصري، العضو المنتدب لشركة العربي الأفريقي لتداول الأوراق المالية، إنه لا يؤيد في الوقت الحالي تحويل البورصة المصرية إلى شركة مساهمة، مؤكدًا أن الأولوية يجب أن تكون للحفاظ على الثقة والأمان داخل السوق وتعزيز كفاءة الخدمات المقدمة للمتعاملين.
وأضاف أن تغيير الشكل القانوني للبورصة لا يعني بالضرورة تطوير قواعد التداول أو تسهيل دخول وخروج المستثمرين، مشيرًا إلى وجود مساحة كبيرة لتطوير الخدمات وآليات العمل داخل الهيكل الحالي.
وأوضح أن القانون يسمح بإنشاء بورصات خاصة، بما يتيح تطوير نماذج وأسواق مختلفة وتقديم خدمات جديدة دون الحاجة بالضرورة إلى تغيير طبيعة البورصة القائمة.
وأكد أن تطوير سوق المال يرتبط بكفاءة التشغيل والمنتجات والخدمات، وليس بالشكل القانوني للكيان فقط.
حامد: ربط البورصة بمؤشرات أداء يدعم نمو الشركات وزيادة الاستثمارات الأجنبية
وقالت راندا حامد، العضو المنتدب لشركة عكاظ لتكوين وإدارة محافظ الأوراق المالية، إن تحويل البورصة إلى شركة مساهمة قد يسهم في تسريع اتخاذ القرار وتعزيز الحوكمة والمساءلة.
وأضافت أن وجود كيان أكثر ارتباطًا بمؤشرات أداء واضحة يمكن أن يدفع إلى متابعة مدى نجاح البورصة في استقطاب الشركات، وتنشيط التداول، ومساعدة الشركات المقيدة على النمو والانتقال بين الأسواق المختلفة.
وأوضحت أن سوق الشركات الصغيرة والمتوسطة موجود بالفعل من خلال بورصة النيل، إلا أن التحدي يتمثل في ضعف الدعم المقدم للشركات المقيدة وعدم وجود آليات كافية لتأهيلها للانتقال إلى السوق الرئيسية.
وترى حامد أن تطوير مسارات التخارج يمكن أن يدعم نشاط استثمارات الملكية الخاصة ويزيد قدرة السوق المصرية على جذب الاستثمارات الأجنبية طويلة الأجل.
تعميق السوق يسبق زيادة عدد المنصات
سيد: زيادة حجم التداول والثقافة المالية أهم من مضاعفة المنصات والأسواق
وقال أحمد سيد، العضو المنتدب لشركة فيصل لتداول الأوراق المالية، إن تحويل البورصة إلى شركة مساهمة قد يمثل فرصة لإعادة بناء نموذج سوق المال، لكن نجاح الخطوة يتوقف على التعامل معها باعتبارها مشروعًا متكاملًا لتطوير السوق.
وأضاف أن الأولوية يجب أن تكون لإعادة بناء الثقة ونشر الثقافة المالية وزيادة قاعدة المستثمرين، قبل التوسع في إنشاء منصات وأسواق جديدة.
وحذر من أن زيادة عدد الأسواق دون وجود قاعدة كافية من المستثمرين والسيولة قد تؤدي إلى تشتيت النشاط بدلًا من تعميقه.
وأكد أن الهدف الأساسي يجب أن يكون زيادة أحجام التداول وتعميق السوق ورفع قدرتها على تمويل الشركات، وليس مجرد زيادة عدد الأسواق أو المنصات.
مسعود: تفاصيل اللائحة التنفيذية هي الحاكم الحقيقي لشكل البورصة الجديد
وقال محمد فاروق مسعود، العضو المنتدب لشركة جلوبال إنفست لتداول الأوراق المالية، إن الاتجاه العالمي لتحويل البورصات إلى شركات مساهمة أصبح نموذجًا مطبقًا في عدد من الأسواق المالية.
وأضاف أن الخطوة قد تمثل تطورًا إيجابيًا للبورصة المصرية، خاصة مع التوسع في الأدوات المالية الحديثة مثل المشتقات وآليات البيع على المكشوف.
وأشار إلى أن تقسيم السوق إلى مسارات متخصصة للشركات الصغيرة والمتوسطة أو الشركات التي تستعد للطرح العام يمكن أن يمثل مرحلة لاحقة من التطوير، إلا أن الحكم على شكل هذه الأسواق يظل مرتبطًا باللائحة التنفيذية المنظمة للتحول.
وأكد أن تفاصيل اللائحة ستكون حاسمة في تحديد هيكل الشركة الجديدة وملكيتها وآليات تقييمها، معتبرًا أن تعزيز الحوكمة سيكون من أهم المكاسب المنتظرة.
الهادي: الشركة الجديدة قد تطلق منتجات وأسواقًا أكثر تنافسية
وقال حاتم الهادي، الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لشركة كارڤي للاستشارات المالية، إن تحويل البورصة إلى شركة مساهمة قد يغير شكل سوق المال بصورة جوهرية، من خلال منحها مرونة أكبر في تطوير المنتجات والخدمات وإطلاق أسواق جديدة.
وأضاف أن زيادة التداولات واستقطاب شرائح جديدة من المستثمرين والشركات ستكون من الأهداف الرئيسية للتحول، إلى جانب تعزيز المنافسة بين شركات السمسرة ومختلف الأطراف العاملة بالسوق.
وأشار إلى أن نجاح التجربة يتطلب تفعيل دور الرعاة المعتمدين وزيادة التوعية بمزايا القيد والطرح، مؤكدًا أن تطوير سوق المال مسؤولية مشتركة بين جميع أطراف المنظومة.
وقال سيف الدين عوني، العضو المنتدب لشركة إيليت للاستشارات المالية، إن تحويل البورصة إلى شركة مساهمة قد يغير طبيعة الحوافز وآليات اتخاذ القرار، ويجعل الأداء أكثر ارتباطًا بمؤشرات واضحة وقابلة للقياس.
وأضاف أن النموذج الجديد يمكن أن يمهد لظهور أكثر من سوق ومنصة تداول متخصصة، بما يوفر خيارات أوسع للشركات للحصول على التمويل وللمستثمرين لتنويع استثماراتهم.
واقترح إمكانية تطوير أسواق متخصصة للسندات والصكوك والشركات الناشئة وشركات النمو والصغيرة والمتوسطة، إلى جانب الشركات التي تستخدم هياكل استحواذ خاصة، مع وضع قواعد قيد وإفصاح تتناسب مع طبيعة كل فئة.
وأوضح أن تعدد الأسواق يمكن أن يمنح الشركات خيارات أكبر للتمويل، لكنه اشترط الحفاظ على الرقابة ومعايير الحوكمة والإفصاح حتى يؤدي التنوع إلى تعميق السوق وليس تشتيت السيولة.
التحول يدفع البورصة لاستقطاب الشركات والطروحات
وقال هيثم قباني، العضو المنتدب لشركة بيتا كابيتال للاستشارات المالية، إن تحويل البورصة إلى شركة مساهمة يتماشى مع نماذج مطبقة في عدد من الأسواق المالية المتقدمة.
وأوضح أن تحول البورصة إلى كيان هادف للربح قد يدفعها إلى تطوير نموذج أعمالها والاستعانة بكفاءات أكثر تخصصًا وتحسين كفاءة التشغيل.
وأضاف أن وجود مصلحة مباشرة للبورصة في زيادة النشاط سيجعلها أكثر حرصًا على الترويج للقيد واستقطاب الشركات وتشجيع زيادات رؤوس الأموال، بما قد ينعكس على السيولة والتداول.
وأكد أن الهيئة العامة للرقابة المالية ستظل الجهة المسؤولة عن الرقابة على السوق، بما يحد من مخاوف تضارب المصالح.







