“لماذا يحاول مليارديرات الهند إسقاط بعضهم في وقت يفشلون فيه، كمجموعة، في بناء أي شيء يدوم؟”
أثرياء الهند غاضبون بقدر غضب طبقتها العاملة، لكن غضب الطرفين يسير في اتجاهين متعاكسين.
ففي حين توسعت حركة “الصرصور” من طلاب جامعات يطالبون بامتحانات عادلة إلى تلاميذ مدارس يحتجون على الطرق المتهالكة، وجميعهم يصبون غضبهم على حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي، وجهت نخبة الشركات سكاكينها إلى بعضها بعضاً.
الخلافات بين نخبة الشركات في الهند ليست جديدة، لكن توقيتها لافت للنظر.
قال ساشيدهار جاغديشان يوم السبت إنه لن يسعى إلى إعادة تعيينه في منصب العضو المنتدب لبنك “إتش دي إف سي بنك”.
وكان ذلك ثاني رحيل بارز من أكبر بنك للقطاع الخاص في الهند خلال أقل من ستة أشهر، إذ غادر رئيس مجلس الإدارة أتانو تشاكرابورتي بصورة مفاجئة في مارس، ما أثار تساؤلات بشأن الحوكمة ازدادت خطورة منذ ذلك الحين.
وبعد رحيل تشاكرابورتي، بدأ المحللون يتساءلون عما إذا كان الرئيس التنفيذي ونائبه كايزاد بهاروتشا على وفاق.
وفي يوليو، عاقب مجلس إدارة البنك ثلاثة من كبار التنفيذيين، من بينهم جاغديشان، بسبب “التجاوز في ممارسة الأعمال” ضمن ترتيب لاستقطاب ودائع كبيرة.
وتزعم دعوى قضائية جماعية في الولايات المتحدة أن “إتش دي إف سي بنك” ضلل المستثمرين بإخفاء أسعار فائدة أعلى لصالح شركة حكومية في صورة مصروفات تسويقية بهدف جذب الودائع.
ويقول البنك إن هذه الادعاءات لا أساس لها.
لكن “إتش دي إف سي بنك” ليس الشركة الهندية الكبيرة الوحيدة التي تعاني فراغاً قيادياً.
صراع السلطة داخل “تاتا”
أسفر صراع على السلطة للسيطرة على “تاتا جروب”، البالغة قيمتها 350 مليار دولار، عن قرار ناتاراجان تشاندراسيكاران الشهر الماضي التنحي عن رئاسة “تاتا سونز”، الشركة القابضة الرئيسية، عند انتهاء ولايته في فبراير 2027.
ولا يمكن أن يكون التوقيت أسوأ بالنسبة إلى المجموعة التي يبلغ عمرها 158 عاماً.
فقد تسبب هجوم إلكتروني في يونيو على “تاتا إلكترونيكس”، شريكة “أبل” في تصنيع أجزاء هواتف آيفون وتجميعها، في تسريب أكثر من 200 ألف ملف إلى شبكة الإنترنت المظلمة، ما شوّه ليس فقط سمعة الشركة الموردة، بل أيضاً مصداقية حملة مودي “اصنع في الهند”.
ولا يزال من غير الواضح متى ستتمكن وحدة الإلكترونيات من إنتاج أول رقاقة هندية بدقة 28 نانومتراً، فيما يواصل دخولها مجال أشباه الموصلات استنزاف رأس المال.
ولا تلوح في الأفق أيضاً بوادر تحول في “إير إنديا”، التي استحوذت عليها “تاتا جروب” قبل أكثر من أربع سنوات. حتى إن مشرعاً في سنغافورة يتساءل عما إذا كان دافعو الضرائب في الدولة-المدينة سيتحملون عبء تغطية الخسائر المتزايدة لشركة الطيران، التي تمتلك فيها “الخطوط الجوية السنغافورية” حصة تزيد قليلاً على 25%.
ومع ذلك، لا يمكن أن يتحرك شيء في “بومباي هاوس”، مقر المجموعة في مومباي، إلى أن يحسم نويل تاتا، ممثل الصندوق الائتماني المسيطر، الخلاف المستمر منذ عقد مع عائلة ميستري، أصهاره وثاني أكبر المساهمين في “تاتا سونز”.
وكان تشاندراسيكاران أول رئيس للمجموعة يأتي من خارج عائلتي تاتا وميستري.
صراع مليارديرات الهند يتصاعد
في أماكن أخرى، تحولت المنافسات الممتدة منذ فترة طويلة إلى استعراضات علنية.
فبعد أن شككت المعارضة في عدالة حكم صادر عن محكمة إفلاس يمنح مالك وسائل الإعلام سوبهاش تشاندرا شطباً للديون بنسبة 99.97%، وهددت بعض البنوك بالطعن في القرار، خرج تشاندرا عبر وسائل الإعلام، واتهم موكيش أمباني، ثاني أغنى رجل أعمال في الهند، بتخريب عملية إنقاذ شركته “زي إنترتينمنت إنتربرايزز” في 2024، وتدبير حملات إعلامية لتشويه سمعته عبر شبكته المنافسة، التي تضم الوحدة المحلية لشبكة “سي إن بي سي”.
وقال: “السيد موكيش، من فضلك أوقف الدعاية المغلوطة ضدي وضد مجموعتي”، قبل أن يضيف باللغة الهندية: “لم يعد لدي شيء أخسره.. لكن لديك أنت ما تخسره”.
ونفت “ريلاينس إندستريز”، الشركة الرئيسية التابعة لأمباني، هذه الاتهامات ووصفتها بأنها لا أساس لها.
وقالت في بيان: “لم تُستخدم علاماتنا الإعلامية قط لمهاجمة أي شخص”.
ويوم الإثنين، قالت محكمة الإفلاس إن طلب إشهار إعسار تشاندرا سيُنظر فيه من جديد.
أمباني وأداني في دائرة الاتهامات
ليست أعمال أمباني الكبيرة الوحيدة التي تواجه اتهامات باستغلال سيطرتها على وسائل الإعلام لسحق منافسيها من الشركات.
فقبل أسابيع، زعم أنيل أمباني، الشقيق الأصغر لموكيش والملياردير السابق الذي أصبح الآن في مرمى تحقيق بشأن احتيال مصرفي، أمام محكمة في دلهي أن “إن دي تي في” التابعة لمنافسه جوتام أداني كانت تنشر مقالات تشهيرية بهدف الاستحواذ على أصوله بثمن بخس.
ولم تعلق “أداني جروب” علناً على هذه الادعاءات.
لماذا يحاول مليارديرات الهند إسقاط بعضهم بعضاً في الوقت الذي يفشلون فيه، كمجموعة، في بناء أي شيء يدوم؟
وكما يرى ها-جون تشانج، الاقتصادي الكوري الجنوبي في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن، فإن الشركات في أكثر دول العالم سكاناً مولعة أكثر من اللازم بالأرباح قصيرة الأجل بحيث لا تستطيع خلق قيمة طويلة الأجل.
وقال لمجلة “فرونت لاين” الهندية العام الماضي إن هذه الشركات ليست حريصة على التصنيع الجاد.
الابتكار في الهند يتراجع.. والنمو لا يترجم لوظائف
ويبدي ورثة جيل الألفية والجيل زد بصورة متزايدة اهتماماً ضئيلاً بالصناعات التقليدية، فيما تحولت “الغرائز الحيوانية” الصحية التي أطلقتها عملية التحرير الاقتصادي في الهند خلال تسعينيات القرن الماضي إلى عمليات استحواذ افتراسية على الأصول.
وبدلاً من دفع حدود الابتكار إلى الأمام – فيما تتخلف الهند عن ركب ثورة الذكاء الاصطناعي – يتنازع قادة الصناعة على مناطق النفوذ، والعقود الحكومية، وأنشطة السلع التقليدية.
ولا تزال الشركات الناشئة تركز على تطبيقات اقتصاد العمل الحر بدلاً من الابتكار التكنولوجي، فيما يظل الإنفاق الخاص على البحث والتطوير ضئيلاً حتى لدى الشركات الكبيرة.
أظهرت بيانات الأسبوع الجاري أن الاقتصاد نما بمعدل 7.8% في ربع يونيو، متجاوزاً التوقعات، رغم صدمة الإمدادات الناجمة عن حرب إيران.
لكن لماذا لا يتحول النمو السريع إلى وظائف؟
الغضب الذي يتدفق إلى الشوارع هو نتاج معدل بطالة يبلغ 40% بين الخريجين الشباب؛ أما الاضطرابات في مجالس الإدارات فهي صوت مليارديرات يتقاتلون على الفتات لأنهم لم يعودوا يعرفون كيف يوسعون الكعكة.
تستحق حركة “الصرصور” الاهتمام لما قد تعنيه بالنسبة إلى شرعية إدارة مودي مع اقتراب الانتخابات العامة في 2029.
لكن بالنسبة إلى المستثمرين، لا يقل أهميةً الشعور الأوسع بالاعتلال داخل طبقة الشركات الهندية، الذي يغلي في معظم الأحيان في صورة تلميحات وتبادل للاتهامات، لكنه ينفجر أحياناً على هيئة صدمات مزعزعة للاستقرار.







