ناقش المركز المصري للدراسات الاقتصادية، رؤيته لأسواق المال خلال الربع الثالث، وتوقعات الأداء بالربع الرابع، فى ندوة بعنوان “نظرة على الأسواق المالية”.
وفيما يتعلق بقدرة الاقتصاد المصرى على مواجهة الصدمات، قال عدد من الخبراء المشاركين في الندوة، إن تحسن مستويات الاحتياطيات والسيولة الأجنبية خلال الفترة الأخيرة وفر قدرًا أكبر من الحماية للاقتصاد، لكنه لا يلغى مخاطر التعرض لصدمات جديدة، خاصة مع استمرار التوترات الجيوسياسية وتسارع التحولات العالمية، كما حذروا من أن التحدى لم يعد مرتبطًا فقط بإدارة الأزمات، وإنما بقدرة الاقتصاد على تنفيذ إصلاحات هيكلية ومواكبة التطورات التكنولوجية.
الشنيطى: النفط عند 120 دولارًا قد يدفع الاقتصاد العالمى إلى الركود
واستهل عمر الشنيطي الشريك التنفيذي لزيلا كابيتال، المتحدث الرئيسي والاستشارى بالمركز، الحديث مؤكدا أن التطورات الجيوسياسية الحالية أعادت المخاوف بشأن تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد العالمى.
وأوضح أن وصول سعر النفط إلى 120 دولارًا للبرميل ( 108 دولارات حاليا)، قد يكون كفيلًا بدفع الاقتصاد العالمى إلى حالة من الركود، فى ظل الضغوط التى قد يفرضها ذلك على معدلات النمو والتضخم وتكاليف الإنتاج.
وأشار الشنيطي، إلى أن أسعار الغاز لم تشهد حتى الآن ارتفاعات كبيرة مقارنة بالنفط، وهو ما يحد نسبيًا من الضغوط على اقتصادات الدول المستوردة للطاقة، إلا أن استمرار التوترات الجيوسياسية يبقى الأسواق عرضة للتقلب وعدم اليقين.
وأضاف أن أداء الذهب خلال الفترة الأخيرة ، كشف أنه ليس ملاذًا آمنًا فى جميع الظروف، إذ تراجعت أسعاره رغم تصاعد التوترات الجيوسياسية، بما يعكس ارتباط تحركات المستثمرين بعوامل متعددة، من بينها أسعار الفائدة وقوة الدولار واتجاهات السيولة العالمية.
ولفت الشنيطى إلى أن السوق الأمريكى استفادت من تدفقات نقدية متزايدة خلال الأزمة الحالية، بما يعكس استمرار جاذبية الأصول الأمريكية وقدرتها على استقطاب السيولة خلال فترات الاضطراب.
وفي المقابل أدى ارتفاع أسعار الفائدة عالميًا، إلى تقليص معدلات استثمار الشركات نتيجة ارتفاع تكلفة التمويل، وهو ما انعكس سلبًا على أسواق الأسهم وتقييمات الشركات.
وعلى المستوى المحلى، قال الشنيطى إن مستويات الدين فى مصر لا تزال مرتفعة، وهو ما ينعكس على تكلفة الاقتراض، إلا أن انخفاض تكلفة التأمين على الديون السيادية المصرية من خلال عقود مبادلة مخاطر الائتمان «CDS» يمثل مؤشرًا إيجابيًا على تحسن نظرة المستثمرين إلى المخاطر المرتبطة بالاقتصاد المصرى.
وأشار إلى أن التضخم عاد للارتفاع مجددًا بعد مسار نزولى سابق، متأثرًا بالتوترات الجيوسياسية الإقليمية وارتفاع أسعار المحروقات، بينما ظل سعر الفائدة فى مصر ثابتًا، على غرار عدد من الأسواق الناشئة التى فضلت التريث فى تحريك أسعار الفائدة فى ظل حالة عدم اليقين العالمية.
وتابع:” ارتفاع صافى الأصول الأجنبية لدى القطاع المصرفى يمثل مؤشرًا إيجابيًا يدعم جاذبية الاستثمار، ويعكس تحسن مستويات السيولة بالنقد الأجنبى داخل الجهاز المصرفي”.
ولفت إلى أن مرونة سعر الصرف وتوحيده بين مختلف القطاعات والأسواق يمثلان عنصرين مهمين لتعزيز الثقة وتحسين كفاءة تخصيص الموارد.
قال الشنيطي، إن البورصة المصرية تمر حاليًا بحالة من الرواج، مدفوعة بارتفاع سعر الدولار وجاذبية الأسهم باعتبارها أصولًا مقومة بالجنيه، إلى جانب تدفقات رؤوس الأموال قصيرة الأجل.
وأكد أن استمرار هذا النشاط يظل مرتبطًا باستقرار الأوضاع الاقتصادية وقدرة السوق على الحفاظ على جاذبيتها للمستثمرين المحليين والأجانب.
سبع: نواجه فجوة فى مستويات التعليم والإدراك لتحولات الذكاء الاصطناعى
وأكد علاء الدين سبع، رئيس مجلس إدارة شركة بساطة القابضة والشريك المؤسس ورئيس مجلس إدارة شركة بي بي بارتنرز للاستثمار المباشر، أن تحسن مستويات الاحتياطيات ومؤشرات القطاع المصرفى خلال الفترة الأخيرة عزز قدرة الاقتصاد المصري على التعامل مع الصدمات، لكنه لا يعنى قدرته على استيعاب جميع الأزمات المحتملة.
أضاف أن الاقتصاد المصرى انتقل من مرحلة إدارة الأزمات ومحاولة التعامل معها إلى مرحلة أقرب إلى «التطبيع» أي العودة إلى الأوضاع الطبيعية، فى ظل تحسن مستويات الاحتياطيات لدى البنك المركزى والقطاع المصرفى.
وهذا التحسن يمثل نتيجة إيجابية للظروف التى مرت بها البلاد، إلى جانب طريقة إدارة ملف الاحتياطيات والسيولة الأجنبية من جانب البنك المركزى، بما عزز قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات المقبلة.
وأشار سبع إلى أن التحدى الرئيسى أمام الاقتصاد خلال المرحلة الحالية لا يقتصر على المؤشرات الاقتصادية قصيرة الأجل، وإنما يمتد إلى قدرة مصر على مواكبة التحولات المتسارعة التى يشهدها الاقتصاد العالمى، خاصة فى مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى والتعليم.
ولفت إلى أن التطورات العالمية المرتبطة بالذكاء الاصطناعى تنذر بتحولات جذرية فى شكل الاقتصاد وحياة البشر، بينما لا تزال مصر تواجه فجوة فى مستويات التعليم والإدراك المجتمعى لهذه التحولات.
أضاف أن مصر بحاجة إلى الخروج من «القوقعة» التى تتحرك داخلها، والنظر بصورة أوسع إلى المتغيرات العالمية، خاصة فى مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى والتعليم.
وضرب مثالًا بالتطورات التى يشهدها قطاعا التكنولوجيا والفضاء، مشيرًا إلى مشروع «SpaceX» والأفكار المطروحة بشأن إنشاء مراكز بيانات فى الفضاء، معتبرًا أن الفارق بين هذه النوعية من المشروعات وما يدور فى النقاش الاقتصادي المحلي، يعكس حجم الفجوة التى يتعين على مصر التعامل معها.
قال سبع، إن الأفكار شديدة الطموح أو غير المألوفة لا ينبغى التعامل معها باعتبارها غير واقعية، خاصة فى ظل ضخ مستثمرين عالميين مبالغ ضخمة فى الشركات العاملة بهذه المجالات وتحقيقها طفرات متسارعة.
أضاف أن مصر تحتاج إلى إعادة توجيه جانب أكبر من اهتمامها نحو التحولات العالمية، بدلًا من اقتصار النقاش الاقتصادي على أسعار العقارات والشقق و«اقتصاد الساحل»، مؤكدًا أن القطاع العقاري لا ينبغى أن يكون محور النقاش الاقتصادى الوحيد.
وشدد سبع، على أن الذكاء الاصطناعى والتطور التكنولوجي سيكونان من أهم محركات المرحلة المقبلة، معتبرًا أن مصر لاتزال بعيدة عن عدد من التطورات التى يشهدها العالم، وأن اللحاق بها يتطلب تغييرًا فى طريقة التفكير، بالتوازى مع تطوير التعليم ورفع مستوى الوعى بهذه التحولات.
واتفق خبراء، على أن تحسن مؤشرات الاقتصاد الكلى لايزال بحاجة إلى إصلاحات أعمق لمعالجة الاختلالات الهيكلية، خاصة فى ظل محدودية قدرة الدعم الخارجى على مواصلة لعب دوره السابق، مؤكدين أهمية الاعتماد بصورة أكبر على الموارد المحلية وتوسيع دور القطاع الخاص فى القطاعات الإنتاجية والخدمية.
الحينى: الاعتماد على الدعم الخارجى لم يعد خيارًا يمكن التعويل عليه
وقال باسل الحينى، رئيس مجلس إدارة بنك التعمير والإسكان، إن النجاحات التى حققها البنك المركزى خلال الفترة الماضية، رغم أهميتها، لا تكفى بمفردها لمعالجة الأزمات الهيكلية العميقة التى يواجهها الاقتصاد المصرى.
وشدد على أن تجاوز التحديات الحالية يتطلب معالجة جذور المشكلات من خلال سياسات متكاملة وإصلاحات طويلة الأجل، بدلًا من الاكتفاء بإجراءات مؤقتة تستهدف التعامل مع تداعيات الأزمات.
وأوضح الحيني، أن الاعتماد على الدعم الخارجي، لم يعد خيارًا يمكن التعويل عليه فى ظل الاضطرابات الإقليمية والعالمية الراهنة، ما يفرض على الدولة والمجتمع الاعتماد بصورة أكبر على الإمكانات والموارد المحلية، والعمل على رفع كفاءة الاقتصاد وتعزيز قدرته على تحقيق نمو مستدام.
ولفت إلى ضرورة تعزيز التنسيق بين الوزارات والهيئات المختلفة، بحيث تعمل ضمن إطار متكامل يخدم الاقتصاد الكلى، بدلًا من عمل كل جهة بصورة منفصلة وكأنها «جزيرة منعزلة» عن باقى مكونات الاقتصاد.
أكد الحيني، أهمية منح القطاع الخاص مساحة أكبر للمشاركة فى عدد من الملفات الحيوية، وعلى رأسها التعليم والصحة، بما يخفف الأعباء عن الدولة، ويفتح المجال أمام الاستثمارات الخاصة لتطوير الخدمات ورفع كفاءتها، فضلًا عن خلق فرص عمل وتحفيز النشاط الاقتصادى.
وشدد على أن مواجهة التحديات الراهنة لا يمكن أن تعتمد على حلول مؤقتة تعالج الأعراض دون الأسباب، وإنما تتطلب تكاتف مؤسسات الدولة والقطاع الخاص والمجتمع، ووضع استراتيجيات واضحة وطويلة الأجل، مع تحديد أولويات الإصلاح وآليات تنفيذها.
أضاف أن المرحلة الحالية تستدعى قدرًا أكبر من التعاون بين مختلف الأطراف والعمل وفق رؤية مشتركة تتجاوز الحلول قصيرة الأجل، وتضع أسسًا أكثر صلابة لتحسين أداء الاقتصاد ورفع قدرته التنافسية خلال السنوات المقبلة.








