لم تكن قمة بريكس في نيودلهي مجرد اجتماع جديد لتنسيق مواقف الاقتصادات الناشئة، بل حملت في ملف المناخ إشارة إلى اتجاه اقتصادي قد يصبح أكثر أهمية خلال السنوات المقبلة: بناء تعاون بين دول بريكس في أسواق الكربون، بالتوازي مع رفض استخدام الحدود الكربونية كأداة تجارية أحادية.
في 12 و13 سبتمبر الجاري، اجتمع قادة بريكس في نيودلهي في القمة الثامنة عشرة للمجموعة، وعلى رأسهم فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، تحت شعار «بناء القدرة على الصمود والابتكار والتعاون والاستدامة».
وجاء إعلان نيودلهي ليضع أسواق الكربون للمرة الأولى تقريباً في قلب نقاش يجمع الاقتصادات الناشئة بهذا الحجم، من خلال دعم تنفيذ مذكرة التفاهم الخاصة بـ«شراكة بريكس لأسواق الكربون»، مع التركيز على تبادل الخبرات وبناء القدرات ودعم الاستراتيجيات المناخية وحشد الموارد اللازمة للتحول منخفض الانبعاثات.
وفي المقابل، تبنت القمة موقفاً واضحاً تجاه الإجراءات الحدودية المرتبطة بالكربون، حيث أعربت دول بريكس عن رفضها للتدابير الأحادية، وذكرت آليات تعديل الكربون على الحدود باعتبارها إجراءات قد تؤثر في قدرة الدول النامية على التعامل مع آثار تغير المناخ وتمويل التحول وتعزيز قدرتها على الصمود.
المفارقة هنا مهمة: بريكس لا ترفض اقتصاد الكربون، وإنما تدفع باتجاه أن تكون قواعده أكثر تعاوناً وتوازناً وأقل ارتباطاً بإجراءات تجارية أحادية.
وهذا يضع قمة نيودلهي في سياق اقتصادي أوسع، فمنذ بداية 2026 دخل نظام الاتحاد الأوروبي النهائي لتعديل الكربون على الحدود، CBAM، مرحلة التطبيق، بينما تستعد المملكة المتحدة لتطبيق آليتها اعتباراً من يناير 2027.
وبذلك أصبح قياس الانبعاثات وسعر الكربون جزءاً متزايد الأهمية من تكلفة دخول الأسواق، وليس مجرد قضية بيئية.
لكن إعلان نيودلهي ذهب خطوة أخرى، فإلى جانب أسواق الكربون، تناول القادة تمويل المناخ، وأشاروا إلى الحاجة إلى جعل المشروعات المناخية أكثر قابلية للتمويل، كما أكدوا أهمية التعاون بين دول بريكس في تطوير أسواق الكربون.
كما أشار الإعلان إلى إمكانات منصة أبحاث المناخ ومختبر بريكس للتجارة وتغير المناخ والتنمية المستدامة.
بالنسبة إلى مصر، التي تعد عضواً مؤثراً في بريكس، فإن هذه التطورات تحمل أهمية تتجاوز البعد الدبلوماسي.
فمصر لا تدخل النقاش من نقطة الصفر؛ لديها سوق كربون طوعي يجري تطوير بنيته التنظيمية، كما أن لديها قطاعات تصديرية وصناعية ستصبح أكثر تعرضاً لمتطلبات الإفصاح عن الانبعاثات وتكاليف الكربون في الأسواق الخارجية.
وهنا يمكن أن تتحول عضوية بريكس إلى منصة عملية لمصر. فالتعاون في أسواق الكربون يمكن أن يدعم تبادل الخبرات في القياس والإبلاغ والتحقق، وتطوير مشروعات خفض الانبعاثات، وربط أرصدة الكربون بالاستثمار والتمويل، وليس التعامل معها فقط كمنتج منفصل يتم بيعه في الأسواق الدولية.
الأهم أن مصر تستطيع استخدام موقعها داخل بريكس لربط ثلاثة ملفات كانت تُناقش غالباً بصورة منفصلة: التجارة، والتمويل، والكربون.
فالمنتج المصري الذي يواجه تكلفة كربونية عند التصدير يحتاج إلى بيانات موثوقة عن بصمته الكربونية، والمشروع الصناعي الذي يستهدف خفض الانبعاثات يحتاج إلى تمويل، وأصل الكربون الناتج عن هذا الخفض يحتاج إلى سوق وقواعد واضحة.
وإذا اجتمعت هذه العناصر، يصبح الكربون جزءاً من هندسة الاستثمار والتنافسية، وليس مجرد تكلفة إضافية.
قمة بريكس في نيودلهي إذن لم تضع فقط موقفاً من CBAM، بل فتحت نقاشاً حول من يضع قواعد اقتصاد الكربون في المرحلة المقبلة. ومع توسع بريكس وزيادة ثقل اقتصاداتها في التجارة والاستثمار العالميين، يصبح السؤال بالنسبة لمصر أكثر تحديداً: كيف تنتقل من المشاركة في النقاش إلى التأثير في قواعد السوق، وتحويل التعاون في أسواق الكربون إلى استثمارات وتمويل وفرص تصديرية؟
الفرصة التي أطلقتها نيودلهي ليست في رفض الكربون، وإنما في المشاركة في بناء السوق الذي سيحدد قيمته الاقتصادية.







