تشهد خريطة الصناعة العالمية تحولاً هو الأعمق منذ عقود؛ تحولٌ لم يعد مجرد نظريات أكاديمية، بل واقع تشهده كبرى قلاع الصناعة في القارة العجوز. والتحذيرات الأخيرة المتتالية من قادة الصناعة الأوروبية – والذين شبه بعضهم وضع قطاعات حيوية كصناعة السيارات الأوروبية بـ “مصير مدينة ديترويت الأمريكية” التي أعلنت إفلاسها في عام 2013 إثر نقل المصانع منها للجنوب بحثا عن التكلفة الإنتاجية الأدنى – لا تعني سوى أمر واحد، أن أوروبا تبحث عن ملاذ قريب، سريع، وأقل تكلفة لنقل جزء حيوي من قواعدها الإنتاجية سعيا وراء زيادة تنافسية منتجاتها التي تُفتقد يوما بعد يوم.
هذا الصداع المزمن الذي تؤرقه ارتفاعات تكاليف الطاقة، والأجور المقيدة، والضرائب المالية المرتفعة أو حتى الضرائب البيئية(CBAM) ، والمنافسة الشرسة القادمة من شرق آسيا، يفتح نافذة فرصة تاريخية لا تتكرر كثيراً لمصر للاستفادة من تحولات سلاسل الإمداد العالمية ورغبة الشركات الصناعية الأوروبية في إعادة تنظيم عملياتها. وهي الفرصة التي عنوانها الرئيسي “إعادة التوطين القريب Nearshoring (نقل الإنتاج إلى دول قريبة جغرافياً) أو Friendshoring (النقل إلى دول حليفة وآمنة سياسياً)”.
أوروبا تئن.. والحل على بعد أميال بحرية معدودة
عندما تبحث الشركات الأوروبية عن تقليل مخاطر سلاسل الإمداد وضمان وصول المنتجات لأسواقهم خلال نحو 48 ساعة فقط بدلاً من أسابيع عبر المحيطات والممرات المائية ذات القلاقل، وبتكلفة أقل تضمن تنافسية تلك المنتجات مع منتجات شرق آسيا، تبرز السواحل الشمالية لمصر كأحد أحجار الزاوية البديلة.
إن مفهوم الـ Nearshoring ليس مجرد نقل لمصانع صناعة واحدة فقط؛ بل يمتد لشرايين صناعية واسعة تشمل:
1. الصناعات المغذية والهندسية: من ضفائر كهربائية ومكونات دقيقة وغيرها من صناعات لسلع وسيطة.
2. الغزل والنسيج والملابس الجاهزة: للحد من الاعتماد على سلاسل التوريد الآسيوية المبتعدة.
3. الصناعات الكيماوية والدوائية: التي تعتمد على وفرة الغاز والتصنيع المحلي والطاقة المتجددة.
4. صناعات الهيدروجين الأخضر والأسمدة الخضراء: للوفاء بالاشتراطات البيئية الأوروبية الصارمة.
الشمال المصري: أرض الجاهزية والفرص الخضراء
يمتلك “الشمال المصري” – الممتد من المنطقة الاقتصادية لقناة السويس في شرق بورسعيد، مروراً بالدلتا، ووصولاً إلى الإسكندرية والعلمين وحتى السلوم غربا – مقومات تجعله المنافس الأقوى في مصر إذا ما أُحسن استغلالها:
• الموقع واللوجستيات: ميناء شرق بورسعيد وميناء الإسكندرية الكبير ينبضان بالوصل المباشر مع أعتى الموانئ الأوروبية في يوغوسلافيا واليونان وإيطاليا وفرنسا والجنوب الإسباني.
• الأراضي الشاسعة: فغرب الإسكندرية وحتى الحدود الليبية يمتد ليس فقط تجاه الغرب، ولكن جنوبا ليشكل مساحات من الأراضي الصحراوية التي تتطلب توافر متطلبات التنمية المستدامة.
• البنية التحتية والموانئ المحورية: ما شهدته السنوات الماضية من تطوير الموانئ والمحاور التنموية القومية يضع مصر في خط البداية بتميز لائق.
• تنافسية العمالة: تبلغ متوسط تكلفة ساعة العمل الصناعية في ألمانيا أكثر من 40 يورو، وفي السويد نحو 38 يورو، وفارق تكلفة ساعة العمل بين شمال المتوسط ومصر يصل لنسب خرافية، ويمكن تدريب العمالة المصرية فنيا للتعامل مع تكنولوجيات الإنتاج الحديثة.
• وفرة ورِخص الطاقة غير الأحفورية: فأوروبا تفرض قوانين ضرائب على المنتجات ذات البصمة الكربونية العالية متمثلة في “آلية تعديل حدود الكربون”. وتتمتع مصر بأسعار طاقة تنافسية وبنية تحتية كهربائية ضخمة ومشاريع واعدة في الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، وإنتاج الهيدروجين الأخضر، مما يسمح للتصنيع التنافسي بالتوافق مع المعايير البيئية الأوروبية.
المطلوب من الدولة المصرية: الانتقال من “الجاهزية” إلى “الاستهداف النشط”
على الرغم من الجهود المقدّرة في إطلاق استراتيجيات تنمية صناعة السيارات والتحفيز الاستثماري ، إلا أن المنافسة الإقليمية شرسة؛ فدول جارة كالمغرب نجحت رسمياً في تحويل أرضها إلى “مكسيكو أوروبا”، واستقطبت مصانع أوروبية عملاقة للسيارات ولإنتاج البطاريات، واستطاعت تونس الخضراء أن تتميز في إنتاج مكونات وقطع غيار السيارات والتكنولوجيا الكهروميكانيكية، حيث تمد عشرات المصانع الأوروبية بالقطع الحساسة. والتوجه المصري نحو أوروبا ليس بديلا لتوجهها الإفريقي الذي توليه الدولة أهمية لجذب الاستثمارات الآسيوية، بل يكمله بهدف تنمية الصناعة المصرية وزيادة الصادرات غير النفطية.
وحتى لا تضيع هذه اللحظة الفارقة، يحتاج الملف إلى “دفعة سياسات واضحة وموجهة” تتضمن في رأينا الآتي:
1. إعادة هيكلة حزم الحوافز الاستثمارية الموجهة للـ Nearshoring: تطوير “حزمة نقل التوطين” مخصصة للشركات الأوروبية المنسحبة أو المتوسعة، تشمل إعفاءات ضريبية مرتبطة بحجم التصدير ونسبة المكون المحلي، وتوفير الأراضي المرفقة بنظام حق الانتفاع طويل الأجل وبأسعار مشجعة.
2. التسويق الاستثماري الموجه (Targeted FDI): تأكيد الدور المباشر لمكاتب التمثيل التجاري في العواصم الصناعية الأوروبية (مثل برلين، ميلانو، وباريس)، للبدء في مفاوضات مباشرة مع الموردين والمصنعين (Tier-1 & Tier-2) وعدم الانتظار لحين قدوم المستثمر لمصر بحثا عن الفرصة.
3. توفير العمالة الفنية المتخصصة: إطلاق مجمعات تدريبية مشتركة بالتعاون مع الكيانات الصناعية الأوروبية داخل المحافظات الساحلية المصرية، لضمان توافر العمالة المدربة على معايير التصنيع الرقمي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
4. تسهيل بيئة الأعمال والإجراءات الجمركية: السرعة والرقمنة في خروج ودخول مدخلات الإنتاج هي روح عمليات الـ Nearshoring مع استكمال ميكنة وتسريع الإفراج الجمركي بموانئ الشمال المصري مما سيعطي ثقة فورية لسلاسل التوريد.
5. النظر في إنشاء منطقة صناعية متخصصة في الشمال الغربي: خصوصاً جنوب العلمين والضبعة، مع ترفيقها وعرضها على التجمعات الاستثمارية الأوروبية، وطرح فكرة التطوير على القطاع الخاص المصري المتخصص في تطوير المناطق الصناعية للتنفيذ، مع تطوير ميناء مطروح ليكون ميناء تصديري حديث.
كلمة أخيرة
إن إعادة رسم الخارطة الصناعية لأوروبا ليست مجرد أزمة نتابعها من بعيد، بل هي فرصة اقتصادية كبرى تجري على حدودنا البحرية الشمالية. إن تحويل الشمال المصري إلى خلية نحل صناعية تغذي الأسواق الأوروبية لن يكون فقط سبباً في توفير مئات الآلاف من فرص العمل للمصريين، بل هو البوابة الرئيسية لزيادة الحصيلة الدولارية ولتوطين المعرفة، وللاندماج المباشر في سلاسل القيمة للقلاع الصناعية الأوروبية.
القطار الأوروبي يتنقل الآن بحثاً عن محطته الجديدة؛ وتكثيف اهتمام الدولة بهذا الملف هو كارت الدعوة الذي يجب أن نلتقطه فوراً.








