في شهر الاحتفال بيوم السياحة العالمي الذي تتبنى فيه منظمة الأمم المتحدة للسياحة شعار توظيف الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي لبناء سياحة أكثر ذكاء واستدامة أعلنت وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات عن إطلاق الاستراتيجية الوطنية لمراكز البيانات بنهاية 2026 ، ولا يمثل هذا التصريح فقط خطوة لتعزيز بنية مصر التحتية الرقمية في كافة الصناعات ولكنه استغلالاً لموقع مصر الاستراتيجي الفريد وقدرتها على توظيف التطبيقات التكنولوجية الحديثة في كل المجالات بما يؤكد إمكانية استغلاله لإعادة تشكيل صناعة السياحة.
وهنا نطرح تساؤلاً جوهرياً حول دور الذكاء الاصطناعي في إعادة تصميم التجربة السياحية.
فالسياحة في مصر لا تعتبر أحد الأعمدة الأساسية التي تدر النقد الأجنبي فحسب ولكنها توفر ملايين من فرص العمل، ولأن المقاصد السياحية التقليدية باتت تواجه حتمية التحول الرقمي لضمان بقائها على خريطة المنافسة العالمية، فإن القطاع السياحي المصري أصبح أمام معادلة ثنائية الأبعاد لا تكمن فقط في مساهمة السياحة في الناتج المحلي الإجمالي والقيمة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية للسياحة ولكن في تحقيق رؤية مصر 2030 بالوصول بأعداد الزائرين إلى 30 مليون سائح محققين 30 مليار دولار.
هذا يستلزم إيجاد مفاتيح جديدة للترويج للمقومات الفريدة التي تمتلكها الدولة وهنا يقدم الذكاء الاصطناعي فرصاً واسعة لتحسين قطاع السياحة المصري، وإن كان يحمل في الوقت ذاته بعض التحديات التي تتطلب التعامل بحذر.
فلا يوجد سياحة ناجحة دون بيانات صحيحة ومدققة، فهى المحرك الأساسي للتخطيط للتوسع السياحى والاستثمارات الجديدة، كما أن تقديم الخدمات السياحية والترويج والتسويق الذكي يعتمد على تحليل بيانات السائحين واستهداف المجموعات المهتمة بالثقافة المصرية أو بالسياحة الصحية أو بالسياحة الروحية أو بالسياحة الشاطئية من خلال محتوى يناسب اهتمامات كل فئة عمرية وجنسية ومستوى ثقافي وتعليمى.
فالبيانات تتيح تحسين تجربة الزائر بإدارة المقاصد السياحية واستدامة الحركة للمواقع الأثرية، وتنظيم الحجوزات سواء بالتنبؤ بأعداد الزوار وتوقعات الطلب من خلال خوارزميات الذكاء الاصطناعي أم الحلول السحابية التي تتيح تنظيم تدفق الزوار لمنع التكدس وتسهيل عملية قطع التذاكر إلكترونياً. إلى جانب تيسير تطبيقات الواقع المعزز والافتراضي (AR/VR) لبعض الجولات الأثرية والتاريخية مما يثري تجربة السائح داخل المواقع الأثرية. هذا ويمكن أن يتيح إرشاداً سياحياً ومعلوماتياً بجميع اللغات للتعرف على المكان بمرونة عالية.
أما تحليل سلوك الزائرين المستمرباستخدام هذه التطبيقات الذكية فيساعد في تقديم خدمات لإدارة استهلاك الطاقة والموارد، ومن ثم تحسن الجودة البيئية للمقاصد السياحية.
إلا أن هذا لا يحتاج فقط لتدفق البيانات السياحية بسرعة فائقة واستمرارية ولكن يستلزم حماية هذه البيانات بما يؤكد على أهمية الأمن السيبراني والسيادة الرقمية عبر حلول تقنية ملموسة.
ولأن السياحة تعتمد بشكل كبيرعلى التفاعل البشري المباشر وأن الذكاء الاصطناعي أداة تمكين قوية لتعزيز جاذبية المقصد المصري، فمن الضروري مواجهة بعض التحديات التي ترتبط بهذه التطبيقات الحديثة. بأن يتم إحداث توازن بين استغلال التكنولوجيا لرفع جودة الخدمات وإدارة الموارد، والحفاظ على روح الضيافة التي تميز مصر عن غيرها من الوجهات السياحية، والذي لن يتحقق دون الاهتمام بالتوعية المجتمعية لأن نجاح التجربة السياحية يرتبط بتعامل السائح المباشر مع المصريين، وبالتدريب اللازم للعاملين وللكوادر المحلية في القطاع لضمان الاستفادة الكاملة من هذه التقنيات.
هذا بدوره يتطلب مزيد من الاستثمارات للميكنة الكاملة في البنية التحتية، وهو ما يشكل عبئاً على المنشآت السياحية المتوسطة والصغيرة مما يستدعى تقديم الدولة لعدد من الحوافز لتشجيعهم على التحول الرقمي.
ويبقى الرهان الحقيقي أمام صناع القرار في مصر هو تحقيق التكامل اللازم؛ بحيث تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة لرفع كفاءة الخدمة والترويج للتراث الثقافي والسياحى، دون الاستغناء عن العنصر البشري الذي يمنح السياحة المصرية هويتها الدافئة.
لذا فإن إطلاق الاستراتيجية الوطنية لمراكز البيانات والذكاء الاصطناعي مع نهاية هذا العام قد تشكل الحاضنة الأساسية لمستقبل السياحة المصرية ويؤهل مصر لتكون مركزًا إقليميًا للحلول السياحية الذكية، وتصبح حجر الزاوية لبناء قطاع سياحي أكثر ذكاءً واستدامة.







