لا تبدأ أزمات شركات التطوير العقارى عند توقف التنفيذ أو تأخر التسليم، وإنما تسبقها مؤشرات مالية وتشغيلية يمكن رصدها مبكراً، أبرزها تراجع التحصيلات، واتساع فجوة التدفقات النقدية، وارتفاع الالتزامات قصيرة الأجل، وزيادة التكلفة المتبقية لاستكمال المشروعات.
وأكد خبراء ومطورون عقاريون أن قوة المبيعات لا تعني بالضرورة سلامة المركز المالي للمطور، خاصة مع طول آجال السداد وارتفاع تكاليف التنفيذ وتغيرات أسعار الصرف، مشددين على أهمية وجود نظام إنذار مبكر لرصد المخاطر قبل تحولها إلى تعثر فعلي.
حسنين: الملاءة المالية والخبرة الفنية خط الدفاع الأول أمام الأزمات
قال أمجد حسنين، نائب رئيس مجلس إدارة شركة التعمير والإسكان العقارية، إن تعثر شركات التطوير العقاري يختلف عن مجرد تأخرها في تنفيذ الالتزامات، مشيراً إلى أن جزءاً من حالات التعثر خلال الفترة الماضية ارتبط بالتغيرات التي شهدها سعر الصرف خلال عام 2023.
وأوضح أن بعض الشركات الجديدة لم تكن تمتلك الملاءة المالية أو الكفاءة الفنية الكافية لتحمل فروق التكلفة الناتجة عن تحرير سعر الصرف، كما لم يكن لديها رصيد كافٍ من الوحدات غير المباعة لتعويض خسائر ارتفاع تكاليف التنفيذ.
وأشار إلى أن الشركات الكبرى تتبع في بعض الحالات سياسة البيع على مراحل بدلاً من طرح المشروع بالكامل، بما يسمح لها بالتعامل مع تغيرات التكلفة وسعر الصرف خلال فترة التنفيذ.
وأكد أن مواجهة الأزمات تتطلب توافر الملاءة المالية التي تمكن الشركة من استكمال مشروعاتها دون الاعتماد بصورة كبيرة على الاقتراض، إلى جانب الخبرة الفنية اللازمة للتعامل مع المشكلات التي تظهر أثناء التنفيذ.
وأضاف أن تطبيق الحوكمة يضمن وجود آليات واضحة لاتخاذ القرارات، خاصة فيما يتعلق بشراء الأراضي والتوسع والتمويل.
وتتفق آراء الخبراء على أن اكتشاف التعثر لا يرتبط بمؤشر واحد، وإنما بقراءة مجموعة من البيانات المالية والتشغيلية في وقت واحد.
فارتفاع المبيعات لا يعوض ضعف التحصيلات، كما أن توافر السيولة لا يخفي تأخر التنفيذ، بينما يؤدي ارتفاع التكلفة المتبقية بالتزامن مع زيادة الالتزامات والديون إلى تضييق قدرة الشركة على مواصلة التنفيذ.
ويتيح رصد هذه المؤشرات بصورة دورية لمجلس الإدارة فرصة لاتخاذ إجراءات تصحيحية قبل تحول الضغوط إلى أزمة تمس قدرة الشركة على استكمال المشروعات أو الوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء والمقاولين.
سويدة: تراجع التحصيلات واتساع فجوة التدفقات وتأخر التنفيذ أبرز إشارات الإنذار المبكر
وقال وليد سويدة، رئيس لجنة الاستشارات الهندسية بجمعية رجال الأعمال المصريين، إن شركات التطوير العقاري لا تتعثر في معظم الحالات بصورة مفاجئة، وإنما تسبق الأزمة مجموعة من المؤشرات التي يمكن اكتشافها مبكرًا.
وأضاف أن الشركة قد تحقق مبيعات قوية، وفي الوقت نفسه تواجه أزمة في التدفقات النقدية، موضحاً أن أبرز العلامات تتمثل في تأخر التنفيذ عن الخطة، وزيادة التكلفة المتبقية لاستكمال المشروع، واستخدام تحصيلات مشروع في تمويل مشروع آخر بصورة غير منضبطة، وارتفاع الالتزامات قصيرة الأجل، وتراجع التحصيلات، وزيادة المستحقات لدى العملاء أو معدلات إلغاء التعاقدات.
وأشار إلى أن لوحة الإنذار المبكر أمام مجلس الإدارة يمكن أن تشمل المبيعات، والتحصيلات، ومعدل التحصيل، وتقدم الإنشاءات مقارنة بالخطة، وانحرافات التكلفة، والتكلفة المتبقية، والتدفقات النقدية، والديون وخدمة الدين، والإلغاءات، وأعمار مستحقات العملاء، ومستحقات المقاولين، وتأخر التسليم.
وأوضح أن أهمية هذه المؤشرات تكمن في قراءتها بصورة مترابطة؛ فارتفاع المبيعات مع تراجع التحصيلات يمثل مؤشراً سلبياً، كما أن ارتفاع التحصيلات مع تأخر التنفيذ يكشف مشكلة أخرى تحتاج إلى تدخل مبكر.
وحذر سويدة من الخلط بين المبيعات والتحصيلات والأرباح والسيولة، موضحاً أن بيع وحدة بنظام تقسيط يمتد لسنوات لا يعني توافر السيولة اللازمة لتنفيذها، خاصة أن تكلفة التنفيذ قد تستحق خلال فترة أقصر من مدة السداد.
وأشار إلى أن تقييم المشروع يجب أن يشمل تكلفة الأرض والتمويل والتصميم والاستشارات والإنشاء والتسويق والعمولات والإدارة والضرائب والرسوم، إلى جانب تحديد المبلغ المطلوب لاستكماله.
وأكد ضرورة إجراء اختبارات ضغط مالي قبل إطلاق المشروع، تشمل ارتفاع تكلفة الإنشاء بنسبة 20% أو 30%، وانخفاض المبيعات عن المستهدف، وتأخر التحصيلات أو التنفيذ لمدة 6 أو 12 شهراً، وارتفاع تكلفة التمويل، وزيادة الإلغاءات.
وأوضح أن كل سيناريو يجب أن يرتبط بإجراء واضح، مثل خفض أو تأجيل بعض البنود، أو توفير تمويل إضافي، أو تغيير مراحل التنفيذ، أو وقف شراء أراضٍ جديدة أو إطلاق مراحل إضافية.
وقال سويدة إن المشكلة لا ترتبط بكون الشركة عائلية، وإنما تبدأ عندما تصبح الملكية هي نفسها الإدارة والرقابة.
وأضاف أنه مع نمو الشركة يجب الانتقال إلى نموذج مؤسسي يضم رئيساً تنفيذياً بصلاحيات واضحة، ومديراً مالياً قوياً، ومجلس إدارة فعالاً، ولجاناً للمراجعة والمخاطر والاستثمار عند الحاجة، إلى جانب نظام واضح لتفويض الصلاحيات.
وأكد أن الفصل بين الملكية والإدارة لا يعني فقدان المالك السيطرة على الشركة، وإنما نقل عملية اتخاذ القرار إلى نظام مؤسسي واضح.
وشدد على أن شراء الأراضي، والاقتراض الكبير، وإطلاق المشروعات، والتغييرات الجوهرية في الأسعار أو أنظمة السداد، والتعاقدات الكبيرة، تحتاج إلى مصفوفة واضحة للموافقات والصلاحيات.
فكري: بيع المشروع بالكامل تحت الإنشاء والتوسع بالاقتراض يزيدان مخاطر التعثر
قال علاء فكري، رئيس مجلس إدارة شركة بيتا إيجيبت للتطوير العقاري، إن شركات التطوير العقاري المتعثرة لا تواجه بالضرورة الأسباب نفسها، إذ قد يرتبط التعثر بأخطاء إدارية أو توسعات تفوق القدرات المالية، بينما تعرضت شركات أخرى لضغوط نتيجة تغيرات سعر الصرف والتضخم وارتفاع تكاليف التنفيذ.
وأضاف أن بعض المطورين باعوا وحداتهم بأسعار كانت تغطي تكلفة الإنشاء وتحقق هامش ربح مناسباً، لكن ارتفاع تكاليف التنفيذ بعد تغيرات سعر الصرف أدى في بعض الحالات إلى تجاوز التكلفة الفعلية لأسعار البيع المتعاقد عليها.
وأشار إلى أن طول آجال السداد يزيد المشكلة، إذ قد لا يحصل المطور على قيمة المبيعات نقداً في الوقت الذي ترتفع فيه تكلفة تنفيذ الوحدات، ما يفرض عليه توفير سيولة إضافية لاستكمال المشروعات.
ولفت إلى أن أحد أهم الدروس يتمثل في عدم الإسراع ببيع المشروع بالكامل خلال مراحل الإنشاء، موضحاً أن المطور يمكنه بيع نسبة تتراوح بين 20 و30%، واستخدام جزء من الحصيلة في التنفيذ ثم طرح مراحل جديدة تدريجياً.
وأضاف أن الاحتفاظ بجزء من الوحدات أو المراحل غير المباعة يمنح المطور مساحة لإعادة تسعير المنتجات وفقاً لتغيرات التكلفة، بينما يقلل بيع المشروع بالكامل من قدرته على إجراء تصحيح سعري لاحقاً.
وأوضح فكري أن امتداد آجال السداد إلى 14 عاماً يجعل المطور يتحمل دوراً تمويلياً يتجاوز طبيعة نشاطه، مؤكداً أهمية تقليص الفجوة بين تنفيذ المشروع وتحصيل قيمة المبيعات لإعادة تدوير السيولة.
وأضاف أن تمويل الوحدات على آجال طويلة يعد في الأساس وظيفة النشاط المصرفي والتمويل العقاري، بينما يؤدي ضعف التمويل العقاري إلى تحميل المطور جانباً كبيراً من عبء التمويل.
وقال إن الحد الآمن للاقتراض والتوسع في شراء الأراضي لا يمكن تحديده كنسبة موحدة لجميع الشركات، إذ يرتبط بالسياسة الاستثمارية لكل شركة وقدرتها على تحمل المخاطر.
وأوضح أن زيادة الاعتماد على الاقتراض ترفع مستوى المخاطر، مقابل إمكانية تحقيق عوائد أعلى في حالة نجاح التوسع، مؤكداً أن المشكلة لا تكمن في تبني سياسة استثمارية مرتفعة المخاطر، وإنما في عدم توافقها مع القدرات المالية للشركة وقدرتها على تحمل السيناريوهات السلبية.







