زمان، كانت هناك مسرحية شهيرة للأخوين رحباني اسمها «ميس الريم»، وكانت فيروز تُغني فيها باللهجة اللبنانية: «هالسيارة مش عم تمشي، بدها حدا يدفشها دفشة»
قد يبدو المشهد بسيطًا: سيارة لا تتحرك، وتحتاج إلى شخص يدفعها دفعة واحدة حتى تستأنف طريقها، لكن السؤال الذي قد يتبادر إلى الذهن: لماذا اختار الرحابنة سيارة لا تتحرك لتكون جزءًا من الحكاية؟
لأن السيارة لم تكن مجرد سيارة؛ كانت رمزًا للبنان، الذي يبدو أحيانًا وكأنه عالق في مكانه، ينتظر من يدفعه إلى الأمام، والحقيقة أن هذه الحكاية لا تخص لبنان وحده؛ فنحن نواجه المشهد نفسه في الشركات والمؤسسات، ولكن باسم مختلف: التنفيذ (Execution).
كم مرة جلسنا في اجتماعات طويلة، ووضعنا استراتيجيات ممتازة، ورسمنا خططًا طموحة، وحددنا أهدافًا كبيرة، ثم اكتشفنا بعد شهور أن شيئًا يُذكر لم يتغير؟ كم خطة بقيت حبيسة العروض التقديمية؟ وكم استراتيجية تحولت إلى ملف أنيق على جهاز الكمبيوتر، بينما ظلت النتائج في مكانها؟
المشكلة في كثير من الأحيان ليست أننا لا نعرف ماذا ينبغي أن نفعل، بل أننا لا ننجح في تحويل ما نعرفه إلى ما نفعله!
الاستراتيجية وحدها لا تحرك السيارة
الاستراتيجية مهمة؛ فهي تحدد الاتجاه، وتوضح أين نريد أن نذهب، ولماذا نختار طريقًا دون آخر، لكن الاستراتيجية -مهما كانت عبقرية- لا تحقق النتائج بمجرد كتابتها؛ فلا قيمة حقيقية لخطة نمو لا تتحول إلى مبيعات، ولا لاستراتيجية توسع لا تتحول إلى أسواق جديدة، ولا لخطة تطوير لا تنعكس على أداء الموظفين، ولا لرؤية مؤسسية لا يشعر العميل بأثرها.
وفي هذا السياق، أستخدم نسبة 5% للاستراتيجية والتخطيط، و95% للتنفيذ، باعتبارها تعبيرًا توضيحيًا عن الفكرة، لا معادلة علمية ثابتة تنطبق على كل شركة أو كل موقف. المقصود ليس أن الاستراتيجية لا تستحق سوى 5% من الاهتمام، أو أن التنفيذ يمكن أن ينجح دون استراتيجية جيدة، بل إن جودة التخطيط وحدها لا تكفي، والقيمة الحقيقية للخطة تظهر عندما تتحول إلى أفعال ونتائج.
تخيل شركة وضعت استراتيجية ممتازة لزيادة مبيعاتها بنسبة 20%؛ درست السوق، وحددت العملاء المستهدفين، وطورت منتجاتها، ورسمت خطتها التسويقية بعناية. لكن ماذا يحدث إذا لم يفهم فريق المبيعات الخطة؟ وإذا لم تتوافر المنتجات في الوقت المناسب؟ وإذا لم تُحدد المسؤوليات؟ وإذا لم يتابع المديرون النتائج، ولم يتدخلوا عندما تظهر المشكلات؟
ستظل الاستراتيجية ممتازة على الورق، لكن المبيعات قد لا تتحرك خطوة واحدة إلى الأمام!
وفي المقابل، قد تمتلك شركة أخرى استراتيجية أقل تعقيدًا، لكنها تحدد أهدافًا واضحة، وتوزع المسؤوليات بدقة، وتتابع التنفيذ باستمرار، وتتعلم من أخطائها وتعدل مسارها بسرعة؛ وقد تحقق نتائج أفضل لأنها نجحت في تحويل ما تعرفه إلى ما تفعله، فالاستراتيجية تحدد الاتجاه، أما التنفيذ فيحول الاتجاه إلى واقع.
لماذا نتعثر في التنفيذ؟
لماذا نتعثر في التنفيذ، حتى عندما تكون لدينا النية والخطة والموارد؟ هناك عدة فخاخ تتكرر في المؤسسات، وقد تتحول بمرور الوقت إلى ثقافة عمل كاملة:
1. فخ الكمال… عندما يؤدي التحليل إلى الشلل
بعض المديرين يريدون أن تكون كل التفاصيل مكتملة قبل اتخاذ الخطوة الأولى: نحتاج إلى دراسة إضافية، وتحليل جديد، واجتماع آخر، ومراجعة أخيرة! وبينما ننشغل بتحسين الخطة، يسبقنا السوق، ويتحرك المنافسون، وتتغير احتياجات العملاء.
ليس المطلوب أن نتوقف عن التفكير أو أن نتصرف بلا دراسة، بل أن نعرف متى تصبح المعلومات المتاحة كافية للبدء، ومتى يكون الانتظار نفسه أكثر تكلفة من التجربة. أحيانًا، تكون الخطوة الأولى المدروسة أفضل من خطة مثالية لا تغادر الورق.
2. فخ التفويض الوهمي
يقول المدير لأحد أفراد فريقه: «أريدك أن تتولى هذا المشروع وتحقق النتائج المطلوبة»، ثم يبتعد معتقدًا أنه فوّض المهمة وانتهى دوره! لكن التفويض ليس مجرد نقل المسؤولية، بل هو توضيح النتيجة المطلوبة، والموارد المتاحة، والصلاحيات، والموعد النهائي، ومعايير النجاح، وآلية المتابعة.
إذا لم يفهم الشخص المطلوب منه، أو لم يمتلك الصلاحيات اللازمة، أو لم يعرف متى وكيف سيُقيَّم أداؤه، فقد نكون نقلنا إليه العبء دون أن نمنحه شروط النجاح. التفويض الفعّال لا يعني أن تترك المهمة، بل أن تمنح صاحبها ما يحتاج إليه لإنجازها، ثم تتابع النتائج دون أن تسلبه مسؤولية التنفيذ.
3. مسرحية الاجتماعات
هناك مؤسسات تعقد اجتماعات كثيرة، لكنها لا تنجز بالضرورة أعمالًا كثيرة. تبدأ الاجتماعات بمناقشة المشكلة، ثم تنتقل إلى تحليل أسبابها، ثم تتشعب الآراء، وتنتهي بعبارة مألوفة: «نتابع الموضوع في الاجتماع القادم!».. لكن من سيتخذ القرار؟ ومن سينفذ؟ ومتى؟ وكيف سنعرف أن المهمة أُنجزت؟
الاجتماع الذي لا ينتهي بقرارات واضحة، ومسؤوليات محددة، ومواعيد للتنفيذ، قد يكون مجرد استهلاك للوقت في صورة عمل. لا تقَس فعالية الاجتماع بعدد الحاضرين أو الساعات التي استغرقها، بل بما أنتجه من قرارات وما ترتب عليه من أفعال.
4. عندما يكون الجميع مسؤولًا، فلا أحد مسؤول!
من العبارات التي تبدو إيجابية في ظاهرها: «نحن جميعًا مسؤولون عن نجاح المشروع». نعم، النجاح مسؤولية جماعية، لكن التنفيذ يحتاج أيضًا إلى مسؤولية فردية واضحة.
عندما يتأخر المشروع، يبدأ السؤال: من كان مسؤولًا عن هذه الخطوة؟ يجيب أحدهم بأنه ينتظر القسم الآخر، ويقول الثاني إنه لم يتلقَّ المعلومات، بينما يؤكد الثالث أن القرار لم يصدر بعد! وفي النهاية، يتحمل الجميع المسؤولية نظريًا، ولا يتحمل أحد مسؤولية الخطوة المتأخرة عمليًا.
الحل ليس إلغاء العمل الجماعي، بل تحديد صاحب المسؤولية عن كل نتيجة رئيسية، مع توضيح الأدوار التي يؤديها بقية أعضاء الفريق. يمكن أن يشارك كثيرون في الإنجاز، لكن يجب أن يكون واضحًا من المسؤول عن ضمان إنجاز كل مهمة.
5. فخ توسيع نطاق العمل
يبدأ المشروع بهدف محدد، ثم تظهر أفكار إضافية تبدو كلها مهمة: نُضيف ميزة جديدة، ونطلب دراسة أخرى، ونوسع نطاق المبادرة، ونؤجل الإطلاق حتى تكتمل التفاصيل الجديدة! وبمرور الوقت، يتحول المشروع من مهمة قابلة للإنجاز إلى مشروع مفتوح لا نعرف متى ينتهي.
ليس كل اقتراح جديد فرصة يجب اقتناصها فورًا، وليس كل تحسين ضروريًا قبل الإطلاق. على الإدارة أن تميز بين ما هو أساسي لتحقيق الهدف، وما يمكن تأجيله إلى مرحلة لاحقة؛ فأحيانًا، يكون الانضباط في الالتزام بالنطاق المتفق عليه هو ما يسمح بتحقيق النتيجة في موعدها.
6. انتظار الآخرين حتى يتوقف العمل
«ننتظر موافقة الإدارة».. «ننتظر رد العميل».. «ننتظر القسم المالي».. «ننتظر وصول البيانات».
قد تكون هذه الاعتمادات ضرورية بالفعل، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الانتظار إلى حالة دائمة، دون محاولة لتقليل أثره أو تحريك ما يمكن تحريكه. التنفيذ الجيد لا يعني تجاهل الموافقات أو تجاوز الصلاحيات، بل يعني إدارة الاعتماد على الآخرين بفاعلية عن طريق تحديد المطلوب منهم، والاتفاق على موعد، والتصعيد عند التأخير، والعمل بالتوازي على المهام التي لا تتوقف عليهم. ليس كل تأخير في أيدينا، لكن طريقة تعاملنا معه غالبًا ما تكون في أيدينا.
كيف نحرك السيارة؟
إذا كانت المشكلة في التنفيذ، فالحل ليس بالضرورة أن نكتب استراتيجية جديدة أو نعقد اجتماعًا إضافيًا؛ قد نحتاج ببساطة إلى العودة إلى مجموعة من الأسئلة العملية:
- ما الهدف المحدد الذي ننسى تحقيقه؟
- ما الخطوات التي ستوصلنا إليها؟ (مهام محددة بدلاً من عبارات عامة).
- من المسؤول عن كل خطوة؟ (اسم واضح، لا قسم كامل أو فريق بلا تحديد).
- متى يجب أن تنتهي؟ (موعد نهائي متفق عليه).
- كيف سنتابع التقدم؟ (مؤشرات واضحة ومراجعات منتظمة).
- ماذا سنفعل إذا تعثرنا؟ (تحديد العقبات، واتخاذ القرارات، وتعديل المسار عند الحاجة).
والأهم من ذلك كله، أن يتحول التنفيذ إلى عادة إدارية يومية، لا إلى حملة مؤقتة تبدأ بحماس ثم تنتهي بالنسيان. فالمدير الناجح لا يكتفي بأن يسأل فريقه: ما خطتنا؟، بل يسأل أيضًا: ماذا أنجزنا؟ وما الذي يمنعنا من التقدم؟ وما الخطوة التالية؟
جرام الفعل بملايين… وطن الكلام بملاليم!
في النهاية، تعود بنا الحكاية إلى السيارة التي لا تتحرك؛ قد نقضي ساعات في وصف الطريق، ونختلف حول أفضل اتجاه، ونكتب خططًا لإصلاح السيارة، وننظم اجتماعات لمناقشة أسباب تعطلها، لكنها ستظل في مكانها ما لم يتحرك أحد ويدفعها الدفعة الأولى.
وهذا لا يعني أن الفعل يغني عن التفكير، أو أن السرعة أهم من جودة القرار؛ بل يعني أن التفكير الذي لا يقود إلى فعل يظل ناقصًا، وأن الفعل الذي لا يتعلم من نتائجه يحتاج إلى مراجعة.
في الإدارة، كما في الحياة، لا يكفي أن نعرف ما ينبغي فعله؛ علينا أن نفعله، وأن نتحمل مسؤولية نتائجه، وأن نستمر في تحسينه. وربما كان هذا الدرس أكبر من حدود الشركات والمؤسسات: فكم من فكرة جيدة لم ترَ النور؟ وكم من مشروع تأجل حتى فقد فرصته؟ وكم من مشكلة عرف الجميع أسبابها، لكن لم يتخذ أحد الخطوة الأولى لمعالجتها؟
جرام الفعل بملايين… وطن الكلام بملاليم!
والسؤال الذي يستحق أن نطرحه على أنفسنا، في نهاية كل اجتماع، وكل خطة، وكل مشروع:
هل حرّكنا السيارة فعلًا، أم ما زلنا نتحدث عن الطريق؟








