تسعى الهيئة العامة للاستثمار جاهدة لتطوير خدماتها، خاصة المتعلقة بتأسيس الشركات، لكن الواقع يروي قصة مختلفة. فبدلاً من تسريع الإجراءات عبر الرقمنة، شهدت مدة تأسيس الشركات تراجعًا ملحوظًا، حيث ارتفعت من يومي عمل كحد أقصى في السابق إلى أكثر من 21 يومًا حاليًا.
ورغم صدور قرارات تهدف إلى تقليص عدد المستندات المطلوبة لاعتماد الجمعيات العامة ومحاضر مجالس الإدارة، فإن هذه القرارات خلقت فراغًا خطيرًا، مع غياب بديل يتيح للمساهمين والمتعاملين الاطلاع على تلك المستندات، مما أضعف تطبيق قواعد الحوكمة وقلّص من شفافية السوق.
في المقابل، تقدم تجربة بيت الشركات (Companies House) في المملكة المتحدة نموذجًا يُحتذى به. هذه الوكالة الحكومية المستقلة تتولى تسجيل جميع أنواع الشركات – عامة أو خاصة، محدودة أو غير محدودة – وتجعل كافة مستنداتها سجلاً عامًا متاحًا للجميع عبر موقع إلكتروني بسيط، دون الحاجة لتسجيل مسبق.
من عقد التأسيس إلى القوائم المالية السنوية، مرورًا بقرارات تعيين المديرين وتعديل الهياكل الإدارية، يستطيع أي مواطن أو مستثمر التحقق من أي تغيير يطرأ على الشركة فور حدوثه. هذا النموذج لا يُسرّع الإجراءات فحسب، بل يرسخ الشفافية، ويحمي حقوق المساهمين، ويعزز ثقة السوق.
اقرأ أيضا: مؤمن سليم يكتب: الإصلاح الهيكلي للقطاع العقاري ضرورة ملحة
التجربة البريطانية تُبرز حقيقة بسيطة، وهي أن الشفافية هي الأساس وليست رفاهية تنظيمية. ولذلك، فإن تحسين خدمات الهيئة العامة للاستثمار في مصر لا يحتاج إلى مزيد من الهياكل والقرارات الشكلية، بل إلى إعادة بناء دور الهيئة من الداخل، والتي تبدأ بتوحيد جهة الولاية ودمج الجهات المتناثرة. ويتطلب ذلك نقل تبعية إدارة السجل التجاري وجهاز تنمية التجارة الداخلية إلى وزارة الاستثمار، ودمج وزارة التجارة الداخلية ضمنها لتصبح وزارة الاستثمار والتجارة، بالإضافة إلى الإسراع بإطلاق منصة رقمية موحدة تتيح تأسيس الشركات، واعتماد المحاضر، ونشر جميع المستندات للعامة فور اعتمادها.
كما تحتاج الهيئة لإصدار قانون جديد للشركات يضم كافة أنواع الشركات تحت مظلة واحدة، وينقل أحكام شركات الأشخاص الواردة في الفصل الأول من الباب الثاني من قانون التجارة القديم الصادر عام 1883 إلى القانون الجديد، بحيث تتولى الهيئة العامة للاستثمار وحدها تسجيل وتنظيم جميع الشركات.
تحسين بيئة الأعمال في مصر ليس مجرد شعار، بل تحدٍ تاريخي. والحل لا يكمن في إنشاء هياكل إدارية موازية تزيد من التشتت وتعدد جهات الولاية، بل في إصلاح المؤسسات القائمة وتوسيع اختصاصاتها، إلى جانب جعل الهيئة العامة للاستثمار مرجعية واحدة لتأسيس ورقابة الشركات، مدعومة بمنصة رقمية شفافة وقانون موحد، وهو السبيل لاستعادة الثقة وتسريع عجلة الاستثمار.








