«الهجمات السيبرانية على مرافق الطاقة تضاعفت أكثر من ثلاث مرات على مدار السنوات الأربع الأخيرة»
فى مختلف أنحاء العالم، تشهد أنظمة الطاقة تحولات عميقة وسريعة من شأنها أن تجعلها تبدو مختلفة تمام الاختلاف بعد عقد من الآن.
يتمثل أحد المحركات الرئيسية فى كهربة الاقتصاد العالمى، على نحو متزايد.
لا يقتصر الأمر على اعتماد مزيد من الناس على المركبات الكهربائية، والمضخات الحرارية، والأجهزة الذكية (المترابطة رقمياً)، بل نشهد أيضاً نمواً هائلاً فى بناء مراكز البيانات المتعطشة للكهرباء، وكثير منها يستخدم لتشغيل الذكاء الاصطناعي.
بسبب هذه الاتجاهات، توقعت وكالة الطاقة الدولية أن ينمو الطلب على الكهرباء بما يعادل ستة أضعاف الطلب الكلى على الطاقة بحلول عام 2035.
كما يشهد جانب العرض فى قطاع الطاقة أيضاً تطوراً سريعاً.
فمن المنتظر أن تضطلع مصادر الطاقة المتجددة، وخاصة الطاقة الشمسية، بأدوار متزايدة الأهمية فى أنظمة الطاقة على مستوى العالم.
هذه الاتجاهات والتكنولوجيات من الممكن أن تحقق قدراً أعظم من الاستقلالية لقطاع الطاقة وتنجح فى خفض الانبعاثات بالاستعانة بالسياسات والبنية الأساسية المناسبة.
لكنها تضيف أيضاً طبقة من التعقيد إلى إدارة الشبكات، لأن المشغلين يجب أن يضعوا فى الحسبان تدفقات الكهرباء المتغيرة وأن يضمنوا للمستهلكين فى الوقت ذاته القدرة على التعويل على الإمدادات وتحمل تكاليفها.
ينبغى للشبكات أيضاً أن تعمل على تزويد أماكن وأشياء أخرى إضافية بالطاقة.
بحلول عام 2030، ستحتوى المنازل والشركات على أكثر من 30 مليار جهاز متصل رقمياً، أى ضعف العدد الحالي.
ولمواكبة هذه الزيادة، يجب أن تزداد مرونة أنظمة الطاقة ـ أى قدرتها على الاستجابة فى الوقت المناسب للتقلبات فى المعروض من الكهرباء والطلب عليها ـ بسرعة أكبر كثيراً من المتوقع حالياً.
قد يكون التحول الرقمى هو المفتاح لسد هذه الفجوة، حتى وإن كان يجلب معه عقبات جديدة. ومن الممكن أن تعمل أدوات رقمية على تحسين أنظمة الطاقة، وتعزيز كفاءتها، ودعم القدرة على تحمل تكاليفها، فضلاً عن تعزيز أمن الطاقة.
ينطوى الذكاء الاصطناعى، على وجه الخصوص، على إمكانات هائلة لتعزيز أنظمة الكهرباء وتبسيطها.
وكما توضح دراسات حالة حديثة، بوسع النماذج والأدوات المتاحة بالفعل أن تتنبأ بشكل أفضل بناتج مصادر التوليد الحساسة للطقس، وأن تساعد فى مواءمة العرض والطلب على مدار اليوم، وأن تساعد أيضاً فى اكتشاف وتصحيح أوجه الخلل فى البنية الأساسية عند ظهورها.
ولكن لتحقيق الاستفادة القصوى من هذه الفرص، يجب التعامل مع بعض التحديات.
فحتى عندما تكون حصة الأسد من التكنولوجيات الجديدة على جانبى العرض والطلب مُمَكَّنة رقمياً ــ وهذا يعنى ضمناً إمكانية توصيلها بأنظمة رقمية أخرى ـ فإنها تميل إلى العمل بمعزل عن بعضها بعضاً.
وفى كثير من الأحيان، تتميز بتصاميم مخصصة، وتفتقر إلى واجهات موحدة، ولا تملك الوظائف اللازمة للتفاعل ديناميكيا مع الشبكة.
مثل هذا التجزؤ يخلق أوجه قصور غير ضرورية، ويرفع التكاليف، ويخنق الإبداع، ويزيد من صعوبة تحقيق فوائد التحول الرقمى فى عموم الأمر.
لهذا السبب، لا يكفى أن تكون أنظمة الطاقة مجهزة بالقدرات الرقمية. بل يجب أيضاً أن تصبح قابلة للتشغيل البينى بحيث يمكن إدخال ودمج تكنولوجيات جديدة بسلاسة.
عندما تتمكن كل عقدة على الشبكة من التواصل بفعالية، يصبح بوسع القائمين على إدارة النظام تحقيق النتائج المرجوة بسرعة أكبر.
إذا جرى تنفيذها بشكل جيد، فإن زيادة قابلية التشغيل البينى بين التكنولوجيات الرقمية على جانبى الطلب والعرض فى قطاع الطاقة، كفيلة بجلب مكاسب حقيقية.
من الممكن تصميم شواحن المركبات الكهربائية الذكية بحيث تحول الشحن إلى الأوقات التى يكون فيها توليد الطاقة المتجددة مرتفعاً.
ومن الممكن أن تستجيب منظمات الحرارة والأجهزة الحديثة لإشارات الأسعار لحظياً، على النحو الذى يساعد على تقليل استهلاك الكهرباء فى أوقات الذروة.
ومن الممكن تجميع أنظمة الطاقة الشمسية على الأسطح لتوفير الطاقة للشبكات عند الحاجة.
وبالاستعانة بالأطر الصحيحة، يصبح من الممكن أن تعمل هذه الموارد معاً، فتدفع التقدم نحو تحقيق أهداف الطاقة التى حددتها البلدان والمجتمعات.
ما لم نبذل مزيداً من الجهد لضمان قابلية التشغيل البينى، فإننا نخاطر بمستقبل من الإمكانات المهدرة، والفرص الضائعة، والاستثمارات العالقة، والتهديدات المتزايدة لأمن الطاقة.
الواقع أن الهجمات السيبرانية على مرافق الطاقة تضاعفت بالفعل أكثر من ثلاث مرات على مدار السنوات الأربع الأخيرة، والآن يعمل الذكاء الاصطناعى على زيادة هذه الهجمات تعقيداً ودقة.
ومع ذلك، نحن نعلم أن الأنظمة القابلة للتشغيل البينى المبنية على معايير مشتركة قد تكون أكثر مرونة فى مواجهة مثل هذه التهديدات.
لهذا السبب، ندعو الحكومات والصناعة إلى التعاون والعمل نحو إنتاج أنظمة طاقة رقمية قوية وآمنة.
لقد أصبحنا، أكثر من أى وقت مضى، فى احتياج إلى رؤية مشتركة وتخطيط طويل الأجل.
تهدف المقترحات الأخيرة بشأن بناء شبكة طاقة رقمية إلى إنشاء عمود فقرى رقمى موحد لمنظومة الطاقة من خلال إدخال الهوية العالمية، وقابلية القراءة الآلية، وإمكانية التحقق.
وبما أن هذه الميزات ستتيح إجراء معاملات طاقة شفافة، ويمكن التعويل عليها، وقابلة للتشغيل البينى، فمن الأهمية بمكان أن تؤخذ على محمل الجد.
استنادا إلى هذه الأفكار، تتخذ الهند بالفعل خطوة محسوبة إلى الأمام مع إطلاق «حزمة الطاقة الهندية».
تهدف حزمة الطاقة الهندية إلى إنشاء بنية أساسية رقمية عامة تتيح تحديد الهوية وتبادل القيمة عبر عدد كبير من الجهات الفاعلة والأصول من خلال مواصفات ومعايير موحدة.
ستستمر أنظمة الطاقة فى التحول بطريقة أو بأخرى. ويتعين علينا أن نعمل الآن لضمان قدرة الأنظمة التى ستنشأ عن ذلك التحول على عكس خيارات تصميم مدروسة.
وهذا يعنى تعزيز أواصر التعاون العالمى وإنشاء أشكال مشتركة من البنية الأساسية التى ستعمل لصالح الجميع.








