فجرت حالة الركود الجزئي التى يمر بها السوق العقارى، فى ظل صعوبة تصريف الأصول وغياب السيولة، مخاوف من ظاهرة “الأصول السامة”.
و”الأصول السامة”، هي استثمارات صعبة البيع بعد تغير الظروف الاقتصادية أو الكشف عن المخاطر الحقيقية، رغم أنها كانت تبدو في البداية مربحة.
وتعود صعوبة تصريف هذه الأصول إلى عدم وجود عميل مستعد للشراء بأسعار معقولة، وهو ما ينطبق حاليًا على عدد من الأصول العقارية في مصر نتيجة ارتفاع الأسعار وتراجع السيولة.
لكن هل يتجه السوق المصري نحو السقوط في فخ “الأصول السامة” على نطاق واسع؟ أم أنها حالات فردية؟
على صعيد التمويل العقاري، جاءت محفظة عملاء بنك التعمير والإسكان من بين الأكثر تأثرًا بالتعثر في القطاع المصرفي خلال 2024، إذ بلغت نسبة القروض غير المنتظمة 7%، وهي الأعلى بين البنوك العاملة في القطاع في ذلك العام.
وفي 2025، سجلت هذه النسبة تراجعًا، بما يعادل 3.32 مليار جنيه بنهاية الربع الثالث، وهو ما يعكس تأثير التحديات التي واجهها القطاع العقاري المصري على قدرة العملاء على سداد التزاماتهم.
قال أيمن سليمان، الخبير المصرفي، إن تسجيل نسبة 7% قروضا غير منتظمة في بنك التعمير والإسكان، هي نسبة مرتفعة مقارنة بمتوسط القطاع المصرفي المصري الذي يتراوح غالبًا بين 3% و4%. لكن قراءة هذا الرقم تتطلب فهم طبيعة عمل البنك وهيكل محفظته الائتمانية.
وأوضح أن بنك التعمير والإسكان يُعد الذراع التمويلية لمشروعات الإسكان القومي، ويخدم شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة ومحدودي الدخل، وهي الفئات الأكثر تأثرًا وبسرعة، بموجات التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يجعلها الحلقة الأضعف في القدرة على السداد عند حدوث أي هزات اقتصادية.
وأشار سليمان، إلى أن البنك كان المحرك الرئيسي لمبادرات التمويل العقاري بفائدة 3% و8%، وهي تمويلات طويلة الأجل تصل إلى 30 عامًا، ومع تغير الأوضاع الاقتصادية أصبح القسط الشهري يمثل عبئًا أكبر على الدخل الحقيقي للمواطنين.
أضاف أن عددًا كبيرًا من عقود التمويل العقاري، خارج المبادرات ذات الفائدة الثابتة، مرتبط بسعر الكوريدور لدى البنك المركزي، ومع الزيادات الحادة في أسعار الفائدة خلال 2024، خاصة الزيادة التي بلغت 6% دفعة واحدة في مارس، قفزت أقساط العملاء القدامى بشكل مفاجئ، وهو ما تسبب في تعثر فوري.
ولفت إلى أن العملاء المستفيدين من المبادرات ذات الفائدة الثابتة تأثروا بتآكل الدخل الحقيقي نتيجة ارتفاع التضخم، إذ أصبحت الأولوية لتغطية الاحتياجات المعيشية الأساسية على حساب سداد القسط العقاري.
وأكد سليمان، أن محفظة البنك التعمير والإسكان تعتمد بشكل أساسي على عملاء التجزئة من الأفراد، وهي شريحة أكثر حساسية لأي تغيرات في التضخم أو أسعار الصرف مقارنة بالبنوك التي تركز على تمويل الشركات الكبرى ذات التدفقات النقدية المتنوعة، ما يجعل تعثر عدد محدود من الأفراد كافيًا لرفع نسبة القروض غير المنتظمة بشكل ملحوظ.
وتطرق إلى ما وصفه بفخ الاستثمار المتهور، إذ اندفع عدد من الأفراد لشراء وحدات بغرض إعادة البيع، لكنهم فوجئوا عند حلول أقساط الاستلام بعدم القدرة على السداد أو البيع في ظل ركود السوق الثانوي، فتحول الأصل من استثمار إلى عبء أدى إلى التعثر.
وحول مؤشرات التحسن، قال سليمان إن تقارير نهاية 2025 وبداية 2026 تشير إلى بدء سيطرة البنك على معدلات التعثر من خلال إعادة هيكلة المديونيات، وإطالة آجال السداد، والتوسع في التوريق العقاري لتوفير سيولة، إلى جانب خفض أسعار الفائدة تدريجيًا خلال 2025، ما أسهم في تراجع نسبة القروض غير المنتظمة إلى نحو 5.3% بنهاية الربع الثالث من 2025 بعد أن كانت تتجاوز 6.5% و7%.
وفيما يتعلق بوصف هذه القروض بأنها أصول سامة، أكد أن الوضع في مصر لا يرقى إلى أزمة أصول سامة بالمعنى الكلاسيكي كما حدث في الولايات المتحدة عام 2008، بل هو حالة تجميد أصول مصحوبة بمخاطر ائتمانية متزايدة، موضحًا أن ارتفاع أسعار العقارات اسميًا بفعل التضخم يحمي قيمة الضمانات، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في ضعف السيولة وصعوبة تسييل هذه الأصول.
وأضاف سليمان، أن السوق يعاني ما يمكن وصفه بـ”فقاعة سيولة” لا فقاعة أسعار، حيث تمتلك البنوك والمطورون أصولًا مرتفعة القيمة الدفترية، لكنها غير قابلة للتحول السريع إلى نقد، ما يضغط على التدفقات النقدية ويزيد من المخاطر التشغيلية.
وأشار إلى أن تأثير التعثر العقاري على القطاع المصرفي يمتد إلى استنزاف المخصصات، وتآكل الربحية، والضغط على نسب كفاية رأس المال، وخلق فجوة آجال بين الودائع قصيرة الأجل والقروض العقارية طويلة الأجل، فضلًا عن مخاطر التركّز الائتماني وصعوبة إدارة الأصول المستردة.
وحذر سليمان، من أن استمرار هذه الأوضاع قد يؤدي على المدى الطويل إلى تحول العقار من مخزن للقيمة إلى عبء سيولة، وخروج عدد من المطورين المتوسطين والصغار من السوق، مرجحًا سيناريو ركود ممتد شبيه بالتجربة اليابانية أكثر من سيناريو الانهيار السعري السريع.
واختتم بالتأكيد على أن الأزمة ليست حتمية، مشيرًا إلى أن تنشيط التمويل العقاري الخارجي وخفض أسعار الفائدة الحقيقية يمكن أن يشكلا مخرجًا تدريجيًا، معتبرًا أن السوق يمر بمرحلة غربلة قاسية ستؤدي إلى تصحيح هيكلي دون انهيار شامل، مع ضرورة مراقبة حجم المعاملات الفعلية باعتباره المؤشر الأهم على عمق الأزمة.
عبدالحميد: ركود الأصول أو تعثر بيعها يضغط على المطورين ويتفادى البنوك
وقال أيمن عبدالحميد، نائب رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لشركة التعمير للتمويل العقاري، إن السوق العقاري يواجه حاليًا تعثرات كبيرة في بيع بعض الوحدات مما قد تصنف كـ”أصول سامة”، مشيرًا إلى أن هناك أصولًا تتغير فرص بيعها باستمرار نتيجة مستويات تسعير مرتفعة تفوق القدرة الشرائية للفئة المستهدفة من المشترين.
وأضاف أن ركود الأصول أو تعثر بيعها لن يؤثر بشكل مباشر على البنوك، لكنه يشكل ضغطًا على المطورين العقاريين، مشيرًا إلى أن أغلب الشركات تبيع وحدات تحت الإنشاء، وهذه الوحدات لا تمولها البنوك، بل يعتمد المطور على تمويل تكلفة التنفيذ من الأقساط المقدمة التي يسددها العملاء.
وأوضح عبدالحميد أن السوق يواجه أزمة حقيقية في تسعير الوحدات نتيجة موجات الغلاء التي شهدتها الأسعار خلال السنوات الماضية، نتيجة التحوط من ارتفاع الدولار وزيادة تكلفة الإنشاء ومواد البناء، مشيرًا إلى وجود محاولات لإعادة التوازن وتصحيح الأسعار.
وتوقع عبدالحميد أن يمر السوق في النصف الأول من 2026 بمرحلة ركود نسبي، على أن يصاحبها تحسن وتعافي في النصف الثاني من العام، مشيرًا إلى أن تصحيح الأسعار من المتوقع أن يتم عبر المرونة في مد فترات السداد وليس بتخفيض الأسعار مباشرة، نظرًا لصعوبة خفض قيمة وحدات سبق بيعها بأسعار أعلى.
الطماوي: بعض العملاء راهنوا على ارتفاع الأسعار دون دراسة حقيقية لقوة الأصل
من جانبه، قال عمرو الطماوي، رئيس القطاع التجاري بشركة بيتا للتطوير العقاري، إن أوضاع السوق الحالية تشير إلى أنه ليس كل السوق في خطر، مشيرًا إلى وجود أجزاء يمكن وصفها بالأصول منخفضة السيولة، وهي الوحدات التي عُرضت بأسعار تفوق القدرة الشرائية الحقيقية أو تلك التي تم شراؤها بدافع المضاربة دون تلبية احتياجات فعلية للمشترين.
وأضاف أن الوحدات الجاهزة أو القريبة من التسليم، خاصة داخل المشروعات التي يقف وراءها مطورون ذوو مصداقية، تُعد أصولًا قوية وقابلة للتسييل، وبعيدة عن خطر الركود، مشيرًا إلى أن بعض الوحدات التي بيعت في مناطق محددة بأسعار أعلى من قيمتها الحقيقية لم يعد هناك طلب عليها، ما تسبب في خسائر للمشترين الذين راهنوا على ارتفاع الأسعار دون دراسة حقيقية لقوة الأصل.
وأكد الطماوي أن المطورين الكبار هم القادرون على التكيف مع السوق ومواكبة المتغيرات التي قد تؤثر على نشاطهم.
وتابع أن البنوك لن تتأثر بهذه الأوضاع، لأن أغلب تعاملاتها تتركز مع المطورين الكبار أصحاب الملاءة المالية والضمانات العقارية القوية، مشيرًا إلى أن الخطر الحقيقي قد يحدث فقط في حالتين، هما توقف القدرة الجماعية للعملاء عن سداد الأقساط فجأة، أو تعثر المطورين المتوسطين في استكمال المشروعات وتسليم الوحدات، وهو سيناريو صعب الحدوث على نطاق واسع ويظل محدودًا بحالات فردية.
وأضاف أن السوق لا يعاني من نقص في السيولة كما يعتقد بعض المطورين، بل توجد سيولة لدى العملاء، لكنهم في حالة ترقب للأسعار التي تتناسب مع احتياجاتهم وقدرتهم الشرائية وشروطهم.








