في إطار السعي لهيكلة الدين، تقف عملية إصلاح النظام الضريبي كأحد أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد المصري؛ وذلك لأنه على الرغم من المحاولات المستمرة لتحسين النظام الضريبي، إلا أن تلك المحاولات لم تصل إلى توسيع القاعدة الضريبية إلى المستوى المأمول.
ومقابل ذلك، يجب على الحكومة العمل على إصلاح النظام الضريبي لتحقيق هدفين رئيسيين: الأول هو زيادة الحصيلة الضريبية من خلال زيادة أعداد الممولين، والثاني ضرورة شعور الممول بجدوى وأهمية سداده للضرائب وتشجيع التسجيل الطوعي.
الإيرادات الضريبية تستحوذ على النسبة الأكبر بالإيرادات الحكومية
تشكل الإيرادات الضريبية نسبة 87.6% من إجمالي الإيرادات الحكومية، حيث بلغت إجمالي الإيرادات الضريبية للعام المالي 2024-2025 نحو 2.2 تريليون جنيه، وفي الأشهر الثمانية الأولى من السنة المالية 2025 بلغت 1.234 تريليون جنيه.
وتُشكل ضريبة القيمة المضافة 45% تقريباً منها، وضريبة الدخل على الشركات والأعمال 27% تقريباً، بينما تمثل الرسوم الجمركية وضريبة الدخل الشخصي والرواتب والرسوم الأخرى باقي الحصيلة الضريبية.
اقرأ أيضا: مؤمن سليم يكتب: بين بيت الشركات البريطاني وهيئة الاستثمار المصرية
تُشير هذه البيانات إلى عدة تحديات هيكلية في النظام الضريبي، على رأسها زيادة التسرب الضريبي من خلال الاقتصاد غير الرسمي، ما يقلل من الإيرادات ويضغط على الممولين المسجلين، فضلاً عن انخفاض نسبة الضرائب إلى الناتج المحلي الإجمالي والتي تقل عن 14%، رغم تصريح وزارة المالية بسعيها لرفع النسبة إلى 15.2% بحلول العام المالي 2029-2030، وهي نسبة أقل من المتوسط الأفريقي البالغ 16%، وأقل من المتوسط الإقليمي حيث تبلغ النسبة في المغرب وتونس نحو 20%.
كما أن استحواذ ضريبة القيمة المضافة على نحو نصف الإيرادات الضريبية يشير إلى عدم العدالة في التوزيع، ما يعني زيادة امتثال أصحاب الدخول المنخفضة بسداد نسبة أكبر من دخلهم مقارنة بأصحاب الدخول المرتفعة، وأخيراً ارتفاع التكلفة الإدارية لسداد الضرائب.
فلسفة جاذبة
ولمواجهة تلك التحديات، يجب أن يقوم النظام الضريبي على فلسفة تستهدف زيادة تبسيط الإجراءات، ووضوح النظام الضريبي، وخفض الأعباء الضريبية لتشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة الإيرادات الضريبية من خلال توسيع القاعدة الضريبية ودمج الاقتصاد غير الرسمي عبر الحوافز الضريبية، وتحسين الشفافية والعدالة من خلال التوازن الضريبي بين مختلف الدخول.
ولكن تحقيق هذه المستهدفات يتطلب أمرين: الأول هو تعزيز ثقة المواطن في منظومة الضرائب، وشعوره بأهمية الخضوع لها والتسجيل الطوعي، وأهمية التزامه بالسداد، وهو ما يتطلب مشاركته في وضع سياسات الإنفاق العام، وهو الأمر الذي تحاول وحدة الشفافية والمشاركة المجتمعية بوزارة المالية العمل عليه، إلا أنها بحاجة لمزيد من الانتشار والتوسع والوصول لأكبر عدد من المواطنين.
اقرأ أيضا: مؤمن سليم يكتب: الإصلاح الهيكلي للقطاع العقاري ضرورة ملحة
والأمر الثاني هو ضرورة التنازل عن جزء من المستهدفات الضريبية بهدف توسيع القاعدة الضريبية، التي تتطلب منح إعفاءات وحوافز لتسجيل أكبر عدد من المواطنين؛ فإذا مُنح المواطن/ الممول حافز خصم على إجمالي فواتير خدماته مثل (الحرفيين، إصلاح السيارات، أعمال المحاماة، الخدمات الطبية، وغيره)، سيبحث عن مقدم خدمة لديه سجل ضريبي، وفي المقابل سيبحث مقدمو الخدمات عن آليات التسجيل، وهو ما يجب أن يُقدم لديهم بشكل بسيط وبإعفاءات لتحفيزهم على التسجيل.
إن تصميم نظام ضريبي ناجع وعادل ليس بالأمر المعقد أو المستحيل، إذا ما نظرنا إلى تجاربنا السابقة (قانون 91 لسنة 2005)، وإلى التجارب الدولية المقاربة لظروفنا الاقتصادية؛ فقد أثبتت العديد من الدول النامية أن زيادة الحصيلة الضريبية بنسب تتراوح بين 2 و6 نقاط مئوية ممكنة دون الإضرار بالنمو الاقتصادي، بل وغالباً ما تدعم النمو من خلال تحسين الخدمات العامة.
استطاعت الكثير من الدول خلال السنوات الماضية تعزيز الحصيلة الضريبية من خلال زيادة انتشار الرقمنة، وتبسيط الإجراءات، وتحسين الامتثال الطوعي، وتعزيز الضرائب غير المباشرة مع حماية الفئات الضعيفة، وهو الأمر الذي يمكن تحقيقه في مصر بنسبة أكبر مقارنة بحجم الناتج المحلي ونسبة السكان، خاصة في ظل استمرار العمل على سياسات الشمول المالي والتحول الرقمي في المدفوعات الحكومية، ومن خلال سياسات تحفيزية، ومع خفض لنسب الضرائب وتحقيق العدالة الضريبية، وتقليص أنواع الضرائب والرسوم.








