توقع خبراء مصرفيون، أن يشهد القطاع المصرفي المصري موجة جديدة من صفقات الدمج والاستحواذ، مدفوعة بالحاجة لتعزيز القاعدة الرأسمالية والكفاءة التشغيلية للبنوك.
وأكدوا أن الصفقات المرتقبة، تمثل خطوة استراتيجية لرفع القدرة التنافسية وتنويع مصادر الدخل للبنوك، مع استهداف البنوك الكبرى والمتوسطة والمحلية والأجنبية والكيانات الرقمية للدخول فيها.
ورجح الخبراء والمصرفيون، أن تتم أغلب الصفقات خلال الربعين الثالث والرابع من 2026، بدعم استقرار السوق المالي وتحركات المستثمرين، مع دور رقابي فعال للبنك المركزي لضمان المنافسة وحماية حقوق العملاء.
وأثارت صفقة استحواذ البنك الأهلي المصري على نحو 19.8% من أسهم البنك المصري لتنمية الصادرات، الشهر الماضي، التساؤلات حول احتمالية ظهور موجة جديدة من صفقات الدمج والاستحواذ بين البنوك المصرية، في ظل التغيرات الاقتصادية ورغبة البنوك في تعزيز مراكزها المالية وقدرتها التنافسية.
« شوقي »: الصفقات تعزز القاعدة الرأسمالية وترفع الكفاءة التشغيلية
قال أحمد شوقي، الخبير المصرفي، إن احتمالات دخول القطاع المصرفي في موجة جديدة من الدمج والاستحواذ تظل قائمة، ولكنها مرهونة بتنفيذ صفقات انتقائية ومدروسة، وليست تحركات واسعة أو عشوائية، في ضوء مجموعة من المؤشرات الداعمة التي بدأت تتبلور داخل السوق.
وأضاف شوقي لـ ” البورصة ” أن من أبرز هذه المؤشرات تشدد المتطلبات الرقابية المرتبطة بكفاية رأس المال، والحوكمة، واختبارات الضغوط، إلى جانب الارتفاع المتزايد في تكلفة التشغيل والاستثمار التكنولوجي، لا سيما في مجالات التحول الرقمي، والأمن السيبراني، ومتطلبات الامتثال.
وأشار إلى أن توازن هوامش الربحية لدى عدد من البنوك المتوسطة والصغيرة، وتغير هيكل الطلب الائتماني لصالح البنوك الكبرى والأكثر تخصصًا، يدفع باتجاه إعادة هيكلة مدروسة للسوق.
أضاف شوقي، أن سعي البنوك الكبرى إلى تعظيم اقتصاديات الحجم وتعزيز حصصها السوقية دون إنشاء كيانات جديدة من الصفر، يمثل أحد المحركات الرئيسية لهذه الصفقات، معتبرًا أن صفقة استحواذ البنك الأهلي المصري على حصة في بنك تنمية الصادرات تعكس إشارة سوق واضحة أكثر من كونها حالة منفردة.
وفيما يتعلق بدوافع البنوك للدخول في صفقات الدمج والاستحواذ، أكد شوقي أن هذه الصفقات تحقق مكاسب استراتيجية متعددة، في مقدمتها تعزيز القاعدة الرأسمالية، ورفع القدرة على التوسع الائتماني، وتنويع مصادر الدخل من خلال تمويل التجارة، والتجزئة المصرفية، فضلاً عن خفض التكلفة التشغيلية، وتحسين مؤشرات الكفاءة والربحية مثل العائد على الأصول وحقوق الملكية، وتعزيز القدرة التنافسية محليًا وإقليميًا.
أضاف أن الدخول في صفقات الاستحواذ لا يعني بالضرورة الخروج من السوق، بل غالبًا ما يستهدف تسييلًا جزئيًا للاستثمارات مع الاحتفاظ بحصة استراتيجية، وتقوية المركز المالي دون اللجوء إلى زيادات رأسمالية من المساهمين، فضلًا عن الدخول في شراكات استراتيجية مع كيانات أكبر توفر خبرات أوسع أو شبكات تشغيلية أعمق، وتحسين مستويات الحوكمة والإدارة، خاصة لدى البنوك التي بلغت حدود النمو الفردي، أو تواجه تحديات تتعلق بالكفاءة التشغيلية أو التكنولوجيا.
وحول أنواع البنوك الأكثر قابلية للدخول في هذه الصفقات خلال المرحلة المقبلة، رجّح شوقي أن تشمل استحواذات بين بنوك محلية مع كيانات أجنبية انتقائية، إلى جانب شراكات البنوك التقليدية مع المنصات الرقمية أو شركات التكنولوجيا المالية، غالبًا عبر الاستحواذ الجزئي أو الشراكات، وليس الاندماج الكامل، مستبعدأ حدوث اندماجات بين بنوك كبري متكافئة في المدي القريب.
أشار شوقي، إلى أن أبرز المخاطر المحتملة تتمثل في مخاطر تركز السوق، وتراجع حدة المنافسة، وتقليص الخيارات المتاحة أمام العملاء.
ولفت إلي أن البنك المركزي المصري يلعب دورًا رقابيًا نشطًا في تقييم الأثر التنافسي للصفقات، مع فرض شروط ما بعد الاستحواذ للحفاظ على المنافسة وجودة الخدمة والتوسع، وذلك وفقًا لقانون البنك المركزي والجهاز المصرفي رقم 194 لسنة 2020، إلى جانب تعزيز أطر الحوكمة للكيانات الناتجة عن هذه العمليات.
وأكد الخبير المصرفي، أن التوجه الحالي سيصبح نحو مرحلة إعادة تشكيل ذكي للقطاع المصرفي المصري تقودها الكفاءة والملاءة المالية وليس الحجم فقط، مشيرًا إلى أن أي استحواذات محتملة خلال الفترة المقبلة ستستخدم كأداة لتعزيز الاستقرار المالي ورفع مستوى التنافسية داخل السوق.
« وجيه »: البنك البائع لا يكون بالضرورة في موقف ضعف
ورجحت الخبيرة المصرفية، شيماء وجيه، أن تشهد السوق المصرفي المصري نشاطاً ملحوظاً في صفقات الاستحواذ والدمج خلال الفترة المقبلة.
وأوضحت أن هذا الاحتمال يستند إلى عدة مؤشرات مصرفية واقتصادية، أبرزها ارتفاع تكلفة الأموال نتيجة السياسات النقدية التشددية، وزيادة متطلبات كفاية رأس المال وفقًا لمعايير “بازل 3″، ما يدفع بعض البنوك المتوسطة والصغيرة للبحث عن شراكات أو اندماجات لتعزيز مراكزها المالية.
وأشارت إلى أن اتجاه الدولة والبنك المركزي نحو تكوين كيانات مصرفية قوية قادرة على تمويل المشروعات الكبرى ودعم النمو الاقتصادي، إلى جانب صفقة استحواذ البنك الأهلي المصري على حصة من بنك تنمية الصادرات، تمثل مؤشرات واضحة على بداية مرحلة إعادة هيكلة ناعمة داخل القطاع.
أضافت وجيه، أن البنوك الأجنبية قد تسعى أيضًا لإعادة تقييم وجودها في السوق المصري، ما يفتح الباب أمام صفقات استحواذ أو تخارج جزئي، مؤكدة أن كل هذه العوامل تجعل السوق مهيأً لمزيد من الصفقات، خاصة في ظل التحولات الاقتصادية الحالية.
وأكدت أن صفقات الدمج والاستحواذ للبنوك تحقق مجموعة من المكاسب الاستراتيجية، بداية من الفوائد المباشرة، مثل تحسين الربحية من خلال خفض التكاليف التشغيلية، ودمج الفروع والأنظمة، وزيادة الحصة السوقية، وتعزيز الملاءة المالية، ورفع كفاءة رأس المال، وتنويع مصادر الدخل.
أما الفوائد غير المباشرة، فتشمل تطوير البنية التكنولوجية، وتسريع التحول الرقمي، ورفع كفاءة إدارة المخاطر، وتحسين التصنيف الائتماني، وتعزيز القدرة التنافسية أمام البنوك الكبرى والبنوك الرقمية، مع تمكين التوسع الإقليمي والدولي مستقبلاً.
لفتت وجيه، إلى أن الاستحواذ ليس مجرد توسع عددي، بل خطوة استراتيجية لتعزيز كفاءة البنك بشكل كامل.
وأشارت إلى أن البنك البائع لا يكون بالضرورة في موقف ضعف، بل غالبًا ما يسعى إلى تعزيز رأس المال وتحسين مؤشرات السلامة المالية وتقليل المخاطر التشغيلية والائتمانية، بالإضافة إلى الاستفادة من خبرات البنك المستحوِذ وإعادة هيكلة النشاط أو التخارج من الأسواق غير المربحة، وهو ما يجعل الصفقة خيارًا استراتيجيًا ذكيًا.
ورجحت وجيه، أن تكون البنوك المتوسطة والصغيرة هي الأكثر ترشيحاُ للدخول في مثل هذه الصفقات، بسبب ارتفاع التكاليف وضعف القدرة التنافسية، وبعض البنوك الأجنبية التي تعيد تقييم وجودها بالسوق.
أما البنوك الكبرى فهي الأقل ترجيحاً، وغالبًا تصبح في موقع المستحوِذ لا المستحوَذ عليه. والبنوك الرقمية قد تكون هدفًا للاستحواذ مستقبلاً، مؤكدة أن العوامل المحددة تشمل كفاية رأس المال، وجودة الأصول، وحجم قاعدة العملاء، والقدرة التكنولوجية، والالتزام بالمعايير الرقابية.
وأكدت أن البنك المركزي يلعب دورًا حيويًا في الحد من أي مخاطر محتملة، مثل تراجع مستوي المنافسة، وزيادة تركز السوق، وارتفاع تكلفة بعض الخدمات، من خلال مراجعة دقيقة لأي صفقة، ومنع الاحتكار أو الهيمنة، والحفاظ على التوازن بين الكيانات الكبرى والمتوسطة، وضمان حقوق العملاء، وفرض معايير صارمة للحوكمة والشفافية.
وتوقعت أن تتم صفقات الدمج والاستحواذ خلال الربعين الثالث والرابع من العام الحالي، استنادا إلي الاستقرار النسبي في سوق الصرف.
كما سيكون تم الانتهاء من عمليات التقييم المالي للأصول، واستعداد البنوك لإغلاق ميزانياتها السنوية، مع رغبة المستثمرين في اقتناص الفرص الاستثمارية قبل نهاية العام.
« النعماني »: أرجح صفقات بين الكيانات الكبري مع المتوسطة والمحلية مع الأجنبية
وقال أحمد النعماني، الخبير المصرفي، إن صفقة استحواذ البنك الأهلي المصري على نحو 19.8% من أسهم البنك المصري لتنمية الصادرات تمثل مؤشرًا مهمًا على عودة الزخم لملف الاندماجات والاستحواذات داخل القطاع المصرفي المصري.
أضاف أن هذه الصفقة قد تكون بداية لموجة جديدة من الصفقات خلال الفترة المقبلة، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية الحالية ومتطلبات تعزيز الملاءة المالية والكفاءة التشغيلية للبنوك.
أكد النعماني، أن الصفقات تحقق للبنوك عدة مكاسب استراتيجية، منها تعزيز القاعدة الرأسمالية، ورفع القدرة على التوسع الائتماني، والدخول في أنشطة متخصصة بسرعة أكبر مثل تمويل التجارة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة والتمويل الأخضر، وتحسين الكفاءة التشغيلية وخفض نسبة التكلفة إلى الدخل، فضلاً عن تعزيز حقوق المساهمين على المدى المتوسط والطويل وزيادة القدرة التنافسية محليًا وإقليميًا.
وأشار إلى أن احتمالية حدوث مزيد من الصفقات مرتفعة، مدعومة بعدة مؤشرات رئيسية، منها سعي البنوك الكبرى إلى تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على هامش الفائدة، واحتياج بعض البنوك المتوسطة إلى شركاء استراتيجيين لدعم رأس المال وخطط النمو، بالإضافة إلى التوجه المستمر للبنك المركزي المصري لترسيخ قطاع مصرفي قوي قادر على امتصاص الصدمات ودعم النمو الاقتصادي.
أوضح النعماني أن ارتفاع تكاليف التشغيل والتحول الرقمي يجعل عمليات الاندماج والاستحواذ حلًا عمليًا لتحقيق وفورات الحجم وتعزيز الكفاءة التشغيلية.
أضاف أن التوقيت الأكثر ترجيحًا لحدوث صفقات فعلية سيكون خلال الربعين الثالث والرابع، مع احتمالية ظهور مفاوضات أولية منذ الربع الثاني، مستندًا إلى عدة عوامل رئيسية أبرزها، توافر صورة مالية أوضح للبنوك مع صدور القوائم المالية نصف السنوية، وانتهاء دورات التخطيط الاستراتيجي في منتصف العام، وارتباط التوقيت بتوجهات السياسة النقدية، واعتبارات إقفال السنة المالية لبعض البنوك لتحقيق أثر إيجابي على المؤشرات المستقبلية.
وتوقع النعماني، أن يشهد القطاع المصرفي المصري خلال 2026 مرحلة “إعادة تشكيل هادئة” تعتمد على صفقات انتقائية ومدروسة، هدفها بناء كيانات أكثر قوة وكفاءة، مع الحفاظ على التوازن بين النمو المالي وتعزيز قدرة البنوك على التوسع والاستثمار في المستقبل.
ولفت إلى أن الطرف البائع غالبًا ما يسعى إلى جذب مستثمر استراتيجي يضيف خبرات وقدرات تمويلية، ويحسن هيكل رأس المال والحوكمة، ويعيد تموضع البنك داخل السوق مع التركيز على الأنشطة ذات الربحية الأعلى.
ورجح النعماني، أن تكون البنوك الأكثر قابلية للدخول فيها هي البنوك الكبرى مع البنوك المتوسطة أو المتخصصة، والبنوك المحلية مع البنوك الأجنبية الراغبة في إعادة هيكلة وجودها بالسوق المصري، متوقعاً أن تستهدف البنوك التقليدية الكيانات الرقمية لتعزيز التحول الرقمي وتسريع الابتكار علي المدي المتوسط.
وأكد أن دور البنك المركزي وجهاز حماية المنافسة يظل حيويًا في دراسة الأثر التنافسي لأي صفقة قبل الموافقة عليها، وفرض شروط لضمان عدم الإضرار بالمنافسة، ومتابعة خطط الدمج لضمان الاستقرار المالي.








