الديمقراطيون يُصعّدون لهجتهم ضد البنوك وسط مطالب بحماية أقوى لمستهلكى الخدمات المالية
للمرة الأولى، يطرح الرئيس الأمريكى دونالد ترامب مقترحاً يبدو فعلياً موجهاً لحماية «المواطن البسيط» من «المؤسسات الجشعة».
فدعوتُه إلى فرض سقف بنسبة 10% لمدة عام واحد على أسعار الفائدة على بطاقات الائتمان تتقاطع مع مطالب طرحها كثير من الديمقراطيين، بمن فيهم تقدميون مثل السيناتور بيرنى ساندرز.
لكن، فى ظل محدودية ما أنجزه «ترامب» حتى الآن لمساعدة العمال فعلياً، بما فى ذلك قاعدته من أنصار حركة «لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً»، يصبح من المفيد إعادة التفكير فى هذه القضية من جديد.
ما يُعرف بقوانين الربا، التى تهدف إلى حماية المقترضين من أسعار فائدة مرتفعة بشكل غير معقول، لها تاريخ طويل.
فاليهودية والمسيحية والإسلام، وهى الديانات التوحيدية الثلاث الكبرى فى العالم، جميعها تُدين الربا، وقد سبقت القوانين المناهضة له وصولها إلى أمريكا قبل تأسيس الولايات المتحدة نفسها.
ففى عام 1641، حددت مستعمرة خليج ماساتشوستس، الحد الأقصى القانونى لسعر الفائدة على القروض عند 8%.
اليوم، تمتلك معظم الولايات الأمريكية قوانين للربا، لكن لا يوجد قانون اتحادى يضع سقفاً لأسعار الفائدة على بطاقات الائتمان.
وتُمنح البنوك الوطنية الحق فى فرض الحد الأقصى المسموح به فى الولاية التى تتخذها مقراً لها، وليس الولاية التى يقيم فيها حامل البطاقة، بحسب موقع «بروجكت سنديكيت».
اعتباراً من أغسطس 2025، كان الأمريكيون يدفعون فى المتوسط فائدة تبلغ 22.83% على أرصدة بطاقات الائتمان، رغم أن سعر الفائدة السائد فى الاقتصاد لا يتجاوز نحو 5%.
فى الوقت نفسه، يهاجم ساسة شعبويون بشكل منتظم البنوك عديمة الرحمة، ويكافح الديمقراطيون الأمريكيون من أجل توفير حماية لمستهلكى الخدمات المالية.
فقد جادل الرئيس السابق جو بايدن بأن الأمريكيين ينبغى ألا يُجبروا على دفع «رسوم غير مبررة» لم يتم إبلاغهم بها مسبقاً.
وتُصر السيناتور إليزابيث وارن على أن تكون العقود المالية واضحة وسهلة الفهم.
فكما لا يُتوقع من المستهلك أن يكتشف عيباً فى محمصة خبز من خلال مخطط تقنى معقد لأسلاكها، ترى وارن أنه لا يمكن توقع أن يحدد المخاطر المخبأة داخل عقود الخدمات المالية المعقدة.
المصرفيون يحذرون من أن سقف الفائدة قد يقلص معروض الائتمان ويرفع الطلب
فى عام 2010، أنشأ قانون دود- فرانك مكتب حماية المستهلك المالى بهدف حماية المستهلكين من «الممارسات غير العادلة أو الخادعة أو المسيئة» التى تمارسها شركات الخدمات المالية. غير أن الجمهوريين حاولوا مراراً إلغاء هذا الإجراء، بحجة أن قواعد حماية المستهلك «تخنق النظام الاقتصادى الأمريكى».
قليلون تعهدوا بإلغاء القيود التنظيمية بحماسة تفوق ترامب.
مع ذلك، فإنه يدعو الآن إلى فرض سقف اتحادى لأسعار الفائدة على بطاقات الائتمان، من شأنه نظرياً أن يمنع المُصدرين من استغلال العملاء أو المغالاة فى تحصيل الرسوم، خصوصاً أولئك الأكثر احتياجاً للائتمان، وهذا خبر سار، أليس كذلك؟
أما الحجة المضادة، فيمكن سماعها من المصرفيين وأنصار الفكر التحررى، إذ يشيرون إلى أن تحديد سقف لسعر الائتمان، تماماً مثل تحديد سقف لسعر البنزين، سيؤدى إلى تقليص العرض وزيادة الطلب، هذا هو «اقتصاديات 101».
لمواجهة فائض الطلب، ستضطر البنوك إلى ترشيد الائتمان، معتمدة فى قراراتها على عوامل مثل القدرة المتوقعة على السداد أو العلاقات الشخصية.
بينما من الطبيعى أن يرغب المدينون فى أسعار فائدة أقل، لا ينبغى لأحد أن يتوقع توافر الكمية نفسها من الائتمان بتكلفة منخفضة بشكل مصطنع.
ووفق هذا المنطق، ينبغى السماح للمقترضين اليائسين بدفع فائدة أعلى للحصول على الائتمان الذى يحتاجون إليه، فالأفضل تقريباً تسعير الائتمان وفق ما يتحمله السوق وإتاحته لكل من يحتاجه، بدلاً من منع بعض الأسر من الاقتراض كلياً.
لكن، هل سيكون تراجع عرض الائتمان أمراً سيئاً إلى هذا الحد؟
رغم الجدل الذى قد يثيره هذا الطرح، ربما يكون المنظمون قد أسدوا خدمة للأسر بمنعها من تحمل ديون ستجد صعوبة فى سدادها.
وإذا أدى ترشيد الائتمان إلى استبعاد الأسر عالية المخاطر من الحصول على القروض، فذلك أفضل، فكثير من مالكى المنازل كانوا سيصبحون فى وضع أفضل عام 2007 لو لم تتوافر لهم إمكانية الوصول السهل والمصطنع إلى قروض الرهن العقاري.
اعتباراً من سبتمبر 2025، تشير مجلة «فوربس» إلى أن متوسط ديون بطاقات الائتمان لكل أمريكى بلغ 6523 دولاراً، مع حمل أكثر من نصف الأمريكيين رصيداً ينتقل من شهر إلى آخر.
وسيستغرق كثيرون سنوات لسداد هذه الديون، وخلال تلك الفترة ستتراكم عليهم التزامات أكبر، تشمل فوائد وغرامات.
فإذا سددت 150 دولاراً شهرياً على هذا الرصيد لمدة 95 شهراً، وبمعدل فائدة سنوى يبلغ 22.83%، فستنتهى بدفع 7688 دولاراً إضافياً كفوائد فقط، وهى إستراتيجية غير مشجعة.
وحتى بالنسبة للأسر غير المهددة بالإفلاس، سيكون معظمها فى وضع أفضل لو تجنبت تحمل ديون بهذه الشروط.
بالطبع، قد يكون تحمل ديون بطاقات الائتمان ذات الفائدة المرتفعة مبرراً فى بعض الحالات، خصوصاً إذا كان العجز مؤقتاً.
6500 دولار متوسط الدين للفرد وسط تفاقم أزمة ديون البطاقات
فعلى سبيل المثال، قد يحتاج طالب ماجستير إدارة الأعمال إلى تغطية نفقات المعيشة لبضعة أشهر إضافية قبل الحصول على وظيفة ذات دخل مرتفع.
لكن الشخص الذى لا يكفى دخله لتغطية نفقات معيشته، ولا يتوقع تحسناً قريباً فى وضعه المالي، سيجد على الأرجح أنه يندم على الاقتراض بفائدة تبلغ 22% أو أكثر.
وقد يُقال إن الشخص اليائس، إذا لم يتمكن من الوصول إلى ائتمان مصرفى، فقد يلجأ إلى مُرابٍ عديم الضمير.
وحتى مع ارتفاع الفائدة، يظل الائتمان من بنك خاضع للرقابة أقل خطورة من ذلك.
غير أن هذا المنطق، إذا أُخذ إلى مداه الأقصى، سيجعل أى حماية للمقترضين غير مبررة، وهو أمر اُتفق جماعياً على عدم صحته.
قبل قرنين من الزمن فى بريطانيا، كان اليائسون يوافقون فى كثير من الأحيان على العمل كخدم بعقود طويلة الأجل لصالح دائنين عجزوا عن سداد ديونهم لهم، لتجنب الزج بهم فى سجون المدينين القاتمة التى اشتهرت بها روايات تشارلز ديكنز.
كما وافق كثير من العمال الفقراء على ذلك حتى قبل تراكم ديون مفرطة، بهدف تمويل انتقالهم إلى العالم الجديد.
وفى نهاية المطاف، جرى حظر سجون المدينين ونظام الخدمة القسرية، وأُنشئت مؤسسة الإفلاس الشخصى بوصفها وسيلة أكثر كفاءة وأخلاقية لمعالجة الديون غير القابلة للسداد.
قد يجادل أنصار الفكر التحررى بأن هذا الترتيب المؤسسى يحد من وصول اليائسين إلى الائتمان.
لكن، فى المجمل، يبدو أنه مقايضة جديرة بالقبول، والأمر نفسه ينطبق على الأرجح على فرض سقوف لأسعار الفائدة على ديون بطاقات الائتمان.








