بعد عقدين من التردد والتراجع عن القرارات، تمضي بريطانيا قدماً في خطط إنشاء مدرج ثالث في مطار “هيثرو” بلندن.
بالنظر إلى بيانات الاستخدام، يصعب التشكيك في المبرر الاقتصادي للتوسعة، إذ إن أكثر مطارات أوروبا ازدحاماً ينقل عدداً من الركاب يفوق بكثير ما تنقله مراكز الطيران المنافسة مقارنة بحجمه أو بعدد مدارجه.
رغم ذلك، تحولت المقترحات بالفعل إلى صراع محتدم بين شركات الطيران ومالكي المطار بشأن التكاليف.
ونظراً إلى السجل البريطاني المتعثر في تنفيذ مشاريع البنية التحتية العملاقة، فإن المخاوف تبدو مبررة.
من السهل رؤية الإيجابيات التي قد يجلبها توسيع مطار “هيثرو”.
وبصرف النظر عن اعتراضات النشطاء البيئيين والمجتمعات المحلية التي قد تتضرر من المشروع، فمن الواضح أن الطلب في السوق موجود.
أدت القيود المفروضة على السعة الاستيعابية للمطار إلى تسجيل بعض أعلى رسوم المطارات في العالم، حيث تبدي شركات الطيران استعدادها لدفع عشرات ملايين الدولارات مقابل تخصيص توقيتات زمنية مجدولة للإقلاع والهبوط.
وقد تزيد حرب إيران من جاذبية أوروبا الغربية الأكثر استقراراً نسبياً مقارنة بالمراكز المنافسة في الخليج.
كما أن زيادة عدد الرحلات بأكثر من النصف ستعزز المنافسة، وتمنح مزيداً من شركات الطيران موطئ قدم، وتوسع نطاق الوجهات المتاحة.
وفي المستقبل، قد يتمكن المسافرون من الطيران مباشرة إلى دول مثل إندونيسيا والفلبين وبيرو التي لا تتمتع بالخدمة حالياً، وإلى مزيد من المدن الثانوية في الصين والهند. فما الذي قد يعارض ذلك؟
التكاليف المرتفعة للمطارات
ربما تكون المشكلة في السعر. فقد قدمت شركة “هيثرو إيربورت” مقترحاً لإنشاء مدرج ثالث ومبنى ركاب جديد وأعمال تحديث ذات صلة بتكلفة تقديرية تبلغ 49 مليار جنيه استرليني (65 مليار دولار أمريكي).
وتشمل الخطط هدم مبنى الركاب الثالث، وهو الأقدم في المطار، ما يعني طي صفحة صالة الوصول التي ظهرت في فيلم “Love Actually”، والتي يمكن اعتبارها جزءاً من البنية التحتية التي لها رمزية عاطفية في المملكة المتحدة.
كما تتضمن الخطط تحويل مسار الطريق الدائري حول لندن “M25″، وهو أكثر الطرق السريعة ازدحاماً في بريطانيا، خصوصاً في محيط مطار “هيثرو”، بحيث يمر عبر نفق تحت المدرج الثالث، وبالتأكيد لن يكون بتكلفة زهيدة.
واجه حجم المشروع وتكاليفه قدراً من المقاومة.
تتوقع “هيثرو إيربورت” بلوغ الرسوم الإضافية نحو 15 جنيهاً إسترلينياً لكل مسافر، موزعة على أكثر من عقد من الزمن.
غير أن مجموعة “هيثرو ريإماجند”، وهي حملة تأسست العام الماضي من قبل شركات بينها “آي إيه جي”، المالكة لشركة “بريتيش إيروايز”، و”فيرجن أتلانتيك إيرويز”، ترى أن التكلفة قد تصل إلى نحو 30 جنيهاً.
وقد يضيف ذلك ما يصل إلى 240 جنيهاً إسترلينياً إلى تكلفة عطلة لعائلة من أربعة أفراد.
ومن بين المسؤولين في قطاع الطيران الذين أعربوا عن مخاوفهم من تأثير ارتفاع التكاليف على أسعار التذاكر وحركة السفر، ويلي والش، المدير العام لـ”الاتحاد الدولي للنقل الجوي”، وكريس سونونو، الرئيس التنفيذي لمنظمة “إيرلاينز فور أمريكا”، وفقاً لما نقلته صحيفة “تايمز”.
إلى حد ما، قد يكون ذلك أشبه بمواجهة كلامية.
تريد شركات الطيران مشروعاً يُنفذ بأقل تكلفة ممكنة ويوفر فرص نمو دون تقليص هوامش أرباحها.
أما “هيثرو إيربورت”، المملوكة لمجموعة استثمارية تقودها شركة الاستثمار الخاص الفرنسية “أرديان” وجهاز قطر للاستثمار، فلديها حافز للإنفاق، لأن هذا هو الأساس الذي تُحسب عليه عوائدها، إذ ترتبط أرباحها بحجم الاستثمارات المسموح بها، المعروفة بقاعدة الأصول المنظمة.
تؤدي هذه المصالح المتعارضة إلى حالة من الجدل لا مفر منها، مع ظهور دراسات وسرديات متنافسة، مثل وصف المشروع بأنه أغلى موقف سيارات في العالم، في محاولة للتأثير في مسار النقاش، بينما تدرس هيئة الطيران المدني التعديلات المحتملة على الإطار التنظيمي الذي سيحكم عملية التوسعة.
تاريخ من تعثر المشروعات
توجد أسس واقعية تبرر مخاوف تضخم التكاليف وفقاً لتاريخ محاولات بريطانيا تنفيذ مشاريع بنية تحتية كبرى.
تجاوزت كل المشاريع العملاقة منذ 1980 الميزانيات المحددة لها، كما تم تسليم معظمها في وقت متأخر عن موعدها المقرر، بحسب تقرير صادر في يونيو 2025 عن مكتب القيمة مقابل المال، وهو وحدة تابعة لوزارة الخزانة البريطانية.
نجح بعض المشاريع بدرجات متفاوتة، لكن المثال الأبرز للفشل هو مشروع السكك الحديد فائقة السرعة “إتش إس 2″، الذي كان من المتوقع أن تبلغ تكلفته 35 مليار جنيه إسترليني في 2010، لكنه يُرجح الآن أن يتجاوز 100 مليار جنيه إسترليني، فضلاً عن تأخره 7 سنوات على الأقل عن الجدول الزمني، رغم تقليص طوله عدة مرات.
هناك اختلافات رئيسية بين المشروعين، أبرزها أن توسعة “هيثرو” لن تُمول من المال العام. بل تقول “هيثرو إيربورت” إن المشروع سيكون أكبر مشروع بنية تحتية ممول من القطاع الخاص في أوروبا.
رغم ذلك، ثمة أوجه تشابه ودروس تحذيرية يمكن استخلاصها من تجربة “إتش إس 2”.
أحدها ضرورة الحذر من التحيز إلى التفاؤل، إذ أن التقديرات الأولية للتكاليف تكون أقل قبل إنجاز أعمال التصميم والتخطيط التفصيلية. وفي جميع الأحوال، فهي تميل إلى الارتفاع لا الانخفاض.
درس آخر يتمثل في مخاطر التعجل.
حددت وزيرة الخزانة البريطانية رايتشل ريفز، الساعية إلى إيجاد محفزات سريعة للنمو الاقتصادي، هدفاً يقضي بالحصول على اعتماد التخطيط بحلول 2029 وبدء تشغيل المدرج الجديد بحلول 2035.
لكن هذا الجدول الزمني يعد متفائلاً للغاية، وفقاً لتقرير أعده بول مانسيل، مستشار البنية التحتية لدى وزارة الخزانة، والذي كان قد توقع تجاوز تكاليف مشروع “إتش إس 2” قبل أن يوافق البرلمان عليه.
إن المضي بسرعة كبيرة قبل اكتمال الميزانيات والتصاميم ينطوي على خطر ارتفاع التكاليف أكثر في المستقبل.
وقد يكون تخصيص وقت لبناء توافق سياسي ووضع حوافز تنظيمية مثالية خطوة تؤتي ثمارها لاحقاً.
يقول بنت فلييفبيرج، الأكاديمي الدنماركي ومؤلف كتب عن إدارة المشاريع العملاقة: “فكر ببطء، وتصرف بسرعة”.
مخاطر التمويل بالديون
في الوقت نفسه، فإن التمويل الخاص ليس ضمانة ضد الكوارث.
فمالكو البنية التحتية يعتمدون بشكل كبير على الديون، وتُعد “هيثرو إيربورت”، التي بلغ صافي ديونها 17.6 مليار جنيه إسترليني بنهاية العام الماضي، أكثر اعتماداً على الاقتراض مقارنة بمعظم نظرائها.
وقد ذكرت شركة “إس آند بي جلوبال” في أغسطس الماضي أن توسعة المدرج “ستتطلب إضافة مقدار كبير من الديون إلى هيكل رأس المال المثقل بالديون أصلاً للمطار”.
مهما كان مصدر التمويل، يظل مطار “هيثرو” بنية تحتية وطنية حيوية.
وإذا تعثر التمويل، فقد لا يكون أمام الدولة خيار سوى التدخل لإنقاذ الوضع، وهي حقيقة أبرزتها أزمة شركة “تيمز ووتر”.
كان من المتوقع دائماً أن يكون إنشاء المدرج الثالث في “هيثرو” مكلفاً، بالنظر إلى ارتفاع تكاليف البناء في المملكة المتحدة والقيود التي يفرضها الموقع المحاط بالطرق السريعة والمنازل.
ينبغي أن يكون ذلك سبباً لمزيد من الحذر والتدقيق، فهل من الضروري فعلاً هدم مبنى ركاب كامل لبناء آخر؟، وهل يحتاج المطار حقاً إلى إنشاء أكبر موقف سيارات في بريطانيا؟.
تبشر توسعة المطار بفوائد اقتصادية كبيرة للمملكة المتحدة ويجب أن تمضي قدماً.. لكن ليس بأي ثمن.








