“منذ عام 1963، حققت أسهم الشركات الأمريكية الكبرى الواقعة ضمن أدنى 30% من حيث الربحية عوائد أقل من تلك التي تنتمي إلى أعلى 30% ربحيةً”
بعد طرح أسهم “سبيس إكسبلوريشن تكنولوجيز”- الاسم الرسمي لـ”سبيس إكس”- للاكتتاب العام، يظهر اسمها في كل مكان، عدا مؤشر “إس آند بي 500″، إذ أعلن مسؤولو الإدراج بالمؤشر الأسبوع الماضي أنهم لن يستثنوا الشركة من معايير الانضمام. وهو قرار صائب.
اشتراطات الاختيار التي وضعتها لجنة مؤشرات “إس آند بي” الأمريكية كان لها دور كبير في مساعدة “إس آند بي 500” في أن يصبح الأكثر متابعةً في العالم، إذ تُستثمر فيه أو تُقارن بأدائه أصول بقيمة مذهلة تبلغ 20 تريليون دولار.
بالتبعية، فإن تخلي اللجنة عن نهجها الآن سيكون غير منطقي، وهذا ما سيعنيه في الأساس استثناء “سبيس إكس”، فبالطبع ستسعى “أوبن إيه آي” و”أنثروبيك” إلى الحصول على استثناءات مماثلة عندما تطرحان أسهمهما للاكتتاب العام في وقت لاحق من العام الجاري، مثلما ستفعل شركات التكنولوجيا الصاعدة التي ستطرح أسهمها لاحقاً.
“إذا كان تاريخ الأسهم حديثة الإدراج وغير المربحة دليلًا يُحتكم إليه، فإن غياب سبيس إكس عن مؤشر إس آند بي 500، لن يشكل خسارة للمؤشر “
لكن سيتعين عليها جميعاً الانتظار لعام على الأقل للانضمام إلى نادي الشركات المرموقة.
تباين معايير إدراج الأسهم في مؤشرات الأسواق
يُبرز إصرار اللجنة إحدى أكبر المفارقات في عالم المال؛ فبينما يعد مؤشر “إس آند بي 500” على نطاق واسع نموذجاً مثالياً للاستثمار الخامل، فإن إدارته نشطة.
وتملك اللجنة الكلمة الأخيرة بشأن تحديد الشركات المنضمة وتوقيت انضمامها، حتى لو استوفت اشتراطات الضم إلى المؤشر.
يختلف الوضع في مؤشرات الأسواق الأخرى، مثل مؤشري “راسل 1000” أو “إس آند بي” للسوق الإجمالي، حيث يجري الإدراج تلقائياً بناءً على القيمة السوقية من الناحية العملية.
وفي هذا الجانب، تبدو عملية انتقاء مكونات مؤشر “إس آند بي 500” أقرب إلى الأسلوب التقليدي لاختيار الأسهم، أو إلى الجيل الأحدث مما يُعرف بمؤشرات العوامل، التي تنتقي الشركات بناءً على خصائص أساسية أو سعرية مثل القيمة أو الجودة أو الزخم.
ومن المرجح أن تُستبعد “سبيس إكس” بسبب اجتماع اشتراط أو أكثر من أصل ثلاثة اشتراطات؛ إتاحة نسبة دنيا من أسهمها للتداول الحر، وطرح الأسهم للتداول العام في البورصة منذ عام على الأقل، وتحقيق أرباح خلال آخر فصل وسنة مالية كاملة.
وقد أسهم الشرطان الأخيران في الأداء الاستثنائي لمؤشر “إس آند بي 500” بدرجة تفوق التصور.
ففي المقام الأول، تمثل الأسهم المطروحة حديثاً عبئاً.
ويتتبع مؤشر “رينيسانس للطروحات العامة الأولية” أداء الأسهم الأمريكية خلال السنوات الثلاث الأولى من بدء تداولها، مع تداخل يكاد يكون معدوماً مع مكونات مؤشر “إس آند بي 500”.
وتخلف “رينيسانس” عن أداء “إس آند بي 500” بمقدار نقطتين مئويتين سنوياً منذ 2009، وهي أطول فترة تتوفر عنها بيانات، مع تسجيل ما يقرب من ضعف التقلبات خلال هذه المدة.
الربحية لا تزال المعيار الأهم
يُعد عامل الربحية أكثر تأثيراً حتى.
فمنذ عام 1963، حققت أسهم الشركات الأمريكية الكبرى الواقعة ضمن أدنى 30% من حيث الربحية عوائد أقل من تلك التي تنتمي إلى أعلى 30% ربحيةً بفارق بلغ 3.5 نقطة مئوية سنوياً، شاملاً توزيعات الأرباح، وفق بيانات جمعها كين فرينش، الأستاذ بكلية “تاك” لإدارة الأعمال.
كما كانت أسهم الشركات الأقل ربحية أكثر تقلباً بنحو 20%.
قد يخلص البعض إلى أن الشركات غير المربحة، مثل “سبيس إكس”، تحقق أداءً أسوأ حتى.
وتدعم بعض البيانات هذا الاستنتاج، وإن كانت الصورة قد تشوشت بفعل موجة المضاربات التي صاحبت جائحة كوفيد-19.
تتابع “جولدمان ساكس جروب” سلة تضم شركات تكنولوجيا غير مربحة. وخلال الفترة بين عامي 2014 و2019، تفوق “إس آند بي 500” على هذه السلة بفارق تراكمي بلغ 40%.
أسهم الشركات غير المربحة تستعيد بريقها
غير أن السلة قفزت بنسبة 300% في عام 2020، مع اندفاع المتداولين نحو أسهم شركات مثل “زوم كوميونيكيشنز”، و”بيلوتون إنتراكتيف”، و”كارفانا”.
وبحلول أوائل عام 2021، كانت هذه المجموعة قد تجاوزت أداء مؤشر “إس آند بي 500” بفارق مريح.
لكن ذلك لم يستمر طويلاً.
فسرعان ما انهارت أسعار أسهم تلك الشركات، وبحلول عام 2024 كان مؤشر “إس آند بي 500” قد استعاد الأفضلية، بعدما حقق عائداً سعرياً بلغ ضعف ما حققته سلة شركات التكنولوجيا على مدى العقد السابق.
ومع ذلك، يبدو أن موجة الحماس عادت مجدداً؛ إذ ارتفعت السلة بنسبة 150% منذ أبريل من العام الماضي.
وفي هذا التوقيت بالذات، تأتي “سبيس إكس” لتلبي شهية المستثمرين المتجددة على الشركات الواعدة لكن غير مربحة بعد.
إذا كان تاريخ الأسهم حديثة الإدراج وغير المربحة دليلاً يُحتكم إليه، فإن غياب “سبيس إكس” عن مؤشر “إس آند بي 500” لن يشكل خسارة للمؤشر، بل قد يصب في صالحه.
أما على المدى القريب، فسيعتمد المسار إلى حد كبير على مدى استمرار موجة الإقبال الحالية على شركات التكنولوجيا غير المربحة.








