لم يعد إصلاح منظومة الدعم خيارًا اقتصاديًا يمكن تأجيله، بل أصبح ضرورة تفرضها المتغيرات الاقتصادية العالمية والضغوط الداخلية على المالية العامة للدولة، خاصة مع ارتفاع تكلفة الدعم وتزايد الحاجة إلى توجيه الموارد بكفاءة أكبر نحو القطاعات الإنتاجية والتنموية.
وفي هذا الإطار، يأتي التوجه نحو الدعم النقدي باعتباره جزءًا من رؤية أشمل لإعادة هيكلة الإنفاق العام وتحسين كفاءة إدارة الموارد، بما يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين، بدلًا من استمرار صور الدعم التي قد يستفيد منها غير المستحقين أو تتعرض لنسب مرتفعة من الهدر.
ومن الناحية المالية، فإن التحول إلى الدعم النقدي يمنح الدولة قدرة أكبر على ضبط الموازنة العامة وتحسين كفاءة التخصيص، كما يساعد على تعزيز الشمول المالي والتحول الرقمي، خاصة إذا ارتبط بمنظومة إلكترونية متطورة وقواعد بيانات محدثة بصورة مستمرة.
لكن في المقابل، فإن نجاح هذا التحول يرتبط بوجود شبكة حماية اجتماعية قوية ومرنة، لأن أي إصلاح اقتصادي لا يراعي البعد الاجتماعي قد يفقد جزءًا كبيرًا من تأثيره الإيجابي. فالمواطن محدود الدخل لا يحتاج فقط إلى دعم يصل إليه، وإنما إلى دعم يحتفظ بقيمته الشرائية في مواجهة التضخم وارتفاع الأسعار.
كما أن القطاع الخاص ومجتمع الأعمال يدركان أهمية الإصلاحات الهيكلية في بناء اقتصاد أكثر استدامة، لكن هذه الإصلاحات تحتاج دائمًا إلى توازن بين الاعتبارات المالية والاستقرار الاجتماعي، لأن الاستقرار المجتمعي يعد أحد أهم عناصر جذب الاستثمار وتحفيز النمو الاقتصادي.
ومن هنا، فإن التطبيق التدريجي للدعم النقدي، مع التقييم المستمر للنتائج، يعد الخيار الأكثر أمانًا وواقعية، خاصة إذا صاحبه حوار مجتمعي شفاف يوضح أهداف الإصلاح وآليات الحماية، ويعزز ثقة المواطن في قدرة الدولة على إدارة المرحلة بكفاءة وعدالة.
إن نجاح منظومة الدعم النقدي لن يُقاس فقط بحجم الوفر المالي الذي تحققه، وإنما بقدرتها على بناء نظام أكثر عدالة وشفافية واستدامة، يحقق الحماية لمحدودي الدخل، ويدعم في الوقت نفسه قدرة الاقتصاد المصري على النمو ومواجهة التحديات المستقبلية.








