يعيش اللبنانيون واحدة من أصعب المراحل في تاريخهم الحديث في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على المناطق الجنوبية، بالتزامن مع أزمة اقتصادية خانقة ألقت بثقلها على مختلف القطاعات وأرهقت حياة المواطنين اليومية.
وبين أصوات الغارات والانهيار المعيشي، يجد اللبناني نفسه محاصرًا بالخوف والضغوط الاجتماعية والمالية في آنٍ واحد.
ففي الجنوب، تسببت الغارات الإسرائيلية المتكررة بدمار واسع في المنازل والمؤسسات والبنى التحتية، ما أدى إلى نزوح العديد من العائلات من القرى الحدودية نحو مناطق أكثر أمنًا، كما أثرت الاعتداءات على الحركة التجارية والزراعية، حيث تعطلت أعمال كثيرة وتراجعت مصادر الدخل لدى المواطنين الذين يعتمدون بشكل أساسي على الزراعة والمهن الحرة.
أما على الصعيد الاقتصادي، فلا تزال البلاد تواجه ارتفاعًا حادًا في أسعار السلع الأساسية والمحروقات، وسط تراجع القدرة الشرائية وانخفاض قيمة الرواتب، الأمر الذي زاد من معاناة اللبنانيين، لا سيما أصحاب الدخل المحدود، كما انعكست الأزمة على الخدمات الأساسية من كهرباء واستشفاء وتعليم، في ظل عجز الكثير من المواطنين عن تأمين احتياجاتهم اليومية.
كما تواجه المؤسسات الصحية والإنسانية ضغوطًا متزايدة نتيجة تزايد أعداد النازحين والمتضررين من الاعتداءات، في وقت تعاني فيه المستشفيات والمراكز الطبية من نقص في الإمكانات والأدوية وارتفاع كلفة التشغيل.
وتبذل فرق الدفاع المدني والإسعاف جهودًا كبيرة للاستجابة السريعة للغارات وعمليات الإنقاذ، رغم المخاطر والاستهدافات المتكررة، ما يعكس حجم التحديات التي تواجهها القطاعات الحيوية في البلاد في ظل استمرار الأزمة الأمنية والاقتصادية.
ويرى المحللون أن استمرار التوتر الأمني في الجنوب يفاقم الأزمة الاقتصادية ويضعف فرص التعافي، خصوصًا مع تراجع الاستثمارات والسياحة وازدياد حالة القلق في الأسواق.
كما يحذر اقتصاديون من أن أي تصعيد إضافي قد يدفع البلاد نحو مزيد من الانهيار المالي والاجتماعي، في وقت يحتاج فيه لبنان إلى استقرار سياسي وأمني لاستعادة الثقة الداخلية والخارجية.
ورغم الظروف القاسية، يواصل اللبنانيون التمسك بالحياة ومواجهة الأزمات بإمكانات محدودة، مستندين إلى روح التضامن والصمود التي ظهرت في مختلف المحطات الصعبة التي مر بها لبنان، فيما تتصاعد المطالب بتحرك جدي لوقف الاعتداءات ودعم الاقتصاد وتحسين الأوضاع المعيشية.
ويقول الدكتور رائد المصري، الأستاذ الجامعي والمحلل السياسي العربي والدولي، إن الحرب الأخيرة على لبنان فاقمت الأعباء المالية والاقتصادية على الدولة، نتيجة تراجع الاستثمارات والضغط المتزايد على العملات الصعبة، وفي مقدمتها الدولار، ما أدى إلى استنزاف الاحتياطي النقدي لفترات طويلة.
وأوضح أن الموازنة العامة تحملت أعباء إضافية مرتبطة بتغطية أزمة النزوح الناجمة عن الحرب، إلى جانب تعطل الموسم السياحي الذي يشكل أحد أبرز مصادر إدخال العملات الأجنبية إلى البلاد، ويسهم بنحو 20% من الاقتصاد الوطني.
وأشار إلى أن زيادة الرواتب في القطاع العام، التي التزمت بها الحكومة، جاءت في ظل ظروف اقتصادية وحربية صعبة، ما ضاعف الضغوط على الخزينة العامة.
وشدد على أن وقف الحرب وإعادة الاستقرار إلى الداخل اللبناني يمثلان ضرورة ملحة لتحفيز المستثمرين والمغتربين على العودة، بما يسهم في إعادة تنشيط الاقتصاد الوطني واستعادة الثقة بالوضع الاقتصادي.
وقال الصحفي والكاتب السياسي محمود فقيه إنه لا يمكن فصل تداعيات العدوان الإسرائيلي عن الانهيار الاقتصادي العميق الذي يعيشه اللبنانيون منذ سنوات، لأن المجتمع أساسًا لم يتعافَ بعد من أزمته المالية والاجتماعية.
وأضاف أن اللبنانيين اليوم يواجهون ضغطًا مضاعفًا يتمثل بالنزوح الداخلي، وفقدان مصادر الدخل، وغياب قدرة الدولة على الاحتواء أو تقديم الدعم الكافي للمتضررين.
وفي الجنوب خصوصًا، أشار إلى أن آلاف العائلات خسرت منازلها وأرزاقها، فيما اضطر كثيرون إلى ترك أعمالهم ومؤسساتهم بسبب التهديد الأمني المستمر، كما فرضت موجات النزوح ضغطًا إضافيًا على المناطق المستقبِلة وعلى البنى التحتية والخدمات الأساسية.
وختم بالتأكيد على أن ما يحدث اليوم لا يقتصر على أزمة أمنية فحسب، بل هو أزمة إنسانية واجتماعية واقتصادية عميقة تترك آثارًا طويلة الأمد على المجتمع اللبناني بأكمله، في ظل دولة تواجه تحديات تفوق قدرتها على الاستجابة والإعمار والدعم.








