في عالم التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي تبرز العديد من المصطلحات القانونية الجديدة، والتي تسعى إلى أن تتواكب مع الطبيعة التقنية للتكنولوجيا وتحافظ على إطار قانوني مفهوم وقابل للتطبيق في ذات الوقت. وعادة ما تقوم الجهات التنظيمية الدولية بوضع أُطر عامة وإرشادات للجهات التنظيمية المحلية في مختلف الدول لتكون مرجعاً ومرشداً لها عند وضع القوانين والقواعد المنظمة لتلك المستحدثات، خاصة فيما يتعلق بالمعاملات التجارية الدولية.
ومن بين تلك المصطلحات التي ظهرت، مصطلح “السيطرة الرقمية” المرتبط بمفهوم الأصول الرقمية؛ فإذا كان الأصل الرقمي هو كل مادة يتم تخزينها أو إنشاؤها بتنسيق رقمي، وتحمل قيمة اقتصادية وقابلة للتعريف والملكية، مثل العملات الرقمية (المشفرة والمستقرة)، وكذلك رموز NFTs والتي تثبت ملكية أصل محدد سواء كان فنيّاً أو عقاريّاً أو رقميّاً وغيرها من الأصول الرقمية المتاحة أو التي ستُخلق لاحقاً.
ويستتبع ذلك بالضرورة خلق تعريف لمفهوم الحيازة الرقمية، والحفظ الرقمي، وكيفية تداول الأصل الرقمي، وأثر الإفلاس على الأصول والمحافظ الرقمية، وتنازع القوانين وحماية حقوق المتعاملين في الأصول الرقمية وغيرها من القواعد التي تنظم المعاملات التي تجري على تلك الأصول.
اقرأ أيضًا: مؤمن سليم يكتب: مصر وتداعيات الحرب على إيران
ومن هنا ظهر لأول مرة مفهوم السيطرة الرقمية، الوارد ضمن مبادئ المعهد الدولي لتوحيد القانون الخاص (UNIDROIT) بشأن الأصول الرقمية والمعاملات المرتبطة بها، والذي يُعد أول إطار قانوني دولي لتنظيم الأصول الرقمية والمعاملات المرتبطة بها، وتمثل تلك المبادئ نموذجاً استرشادياً دولياً لكافة التشريعات المحلية الحديثة.
ووفقاً للمبدأ الثاني، يعرف الأصل الرقمي بأنه سجل إلكتروني قابل لأن يكون محلاً للسيطرة. وعرّف المبدأ السادس السيطرة بأنها تتحقق عند توافر ثلاث قدرات أساسية معاً، وهي: القدرة الحصرية على منع الآخرين من الحصول على الاستفادة الكبيرة من الأصل، والقدرة على الحصول على الاستفادة الكبيرة من الأصل، والقدرة الحصرية على نقل السيطرة إلى شخص آخر.
ويعتبر هذا المفهوم النُسخة الرقمية لمفهوم “الحيازة” في القانون التقليدي للأصول المادية، وبدون تحقق تلك القدرات الثلاث يظل الأصل الرقمي مجرد بيانات إلكترونية غير قابلة للتداول القانوني الآمن مثل ملفات الوورد والصور العادية وغيرها.
اقرأ أيضا: مؤمن سليم يكتب: مستقبل قطاع الأعمال العام في مصر
هذا التعريف للسيطرة الرقمية يمثل نقلة نوعية في القانون التجاري، نظراً لكونه يعمل على تسهيل التجارة عبر الحدود من خلال اليقين القانوني، ويسمح للأطراف باختيار القانون الواجب التطبيق، وكذلك حماية المشتري البريء الذي يحصل على الأصل الرقمي بحسن نية وسيطرة فعلية تحميه حالياً من أي مطالبات أو حقوق سابقة، كما يرتب أولويات الضمان؛ فالدائن الذي يحصل على السيطرة على الأصل الرقمي يحظى بأولوية على الدائنين الآخرين -حتى لو سجلوا حقوقهم أولاً-، وأخيراً يعالج تعريف السيطرة حالات الإفلاس والحراسة؛ ففي حالة إفلاس منصة أو حارس أصول، تظل أصول العملاء محمية وغير داخلة في حصيلة الدائنين.
تمثل هذه المبادئ، التي قامت بتحويل الأصول الرقمية من أصول افتراضية غامضة إلى أصول ملكية قابلة للرهن والتداول بثقة عالية، فرصة تاريخية للدول النامية في تحقيق نمو من خلال الاندماج في عالم الاقتصاد الرقمي، وتقليل الفجوة التشريعية من خلال تبني تلك المبادئ في التشريعات الوطنية، بما يمكنها من جذب الاستثمارات الرقمية والتي تدور حول الدول التي تتبنى أُطراً قانونية واضحة للأصول الرقمية ومفهوم السيطرة عليها.
اقرأ أيضا: مؤمن سليم يكتب: فلسفة الإصلاح الشامل للنظام الضريبي في مصر
كما تعمل تلك الفرصة أيضاً على تمكين الشمول المالي عبر تطوير أنظمة CBDC أو توكنات مرتبطة بالسلع المحلية مثل الذهب أو المحاصيل الزراعية، وتعزيز المنافسة العالمية؛ فبدلاً من الاعتماد على المنصات الأجنبية الكبرى، يمكن للدول النامية بناء بنى تحتية رقمية محلية مدعومة بقانون دولي مقبول.
تلك المبادئ بما تشمله من مفهوم للسيطرة الرقمية ليست مجرد تفصيل تقني أو قانوني، بل هي الأساس الذي سيبنى عليه الاقتصاد الرقمي العالمي في العقود القادمة؛ فمن يمتلك السيطرة القانونية على الأصول الرقمية سيمتلك القدرة على التحكم في تدفقات القيمة الرقمية.
وهنا تجد الدول النامية نفسها أمام خيار استراتيجي: إما أن تكون متلقية لقواعد الآخرين، أو أن تصبح صانعة لمستقبلها الرقمي من خلال تطوير التشريعات الوطنية للتوافق مع المبادئ العالمية.








