لم تصل صناعة الأثاث الدمياطي إلى مكانتها الحالية بين أبرز الصناعات المصرية مصادفة، لكنها كانت ثمرة مسار طويل صنعته أجيال من الرواد الذين امتلكوا الحرفة، وطوّروا أدواتها، ورسّخوا حضورها داخل السوق المحلي وخارجه.
وبين هذه الأسماء يبرز الراحل محمد عبدالمنعم الجلاد بوصفه أحد أبناء هذا الجيل الذي لم يكتفِ بإتقان المهنة، بل أسهم في توسيع آفاقها، وربطها بأسواق جديدة، ونقل خبراتها إلى أجيال متعاقبة من الصناع وأصحاب الورش والمصانع.
وكانت دمياط قد ودّعت الراحل أمس الأربعاء، بعدما ترك مسيرة مهنية وإنسانية ممتدة في صناعة الأثاث، ارتبطت باسم المدينة وحضورها داخل الأسواق الخارجية.
ارتبط اسم الجلاد على مدار عقود بمسيرة صعود الأثاث الدمياطي من نطاق الحرفة التقليدية إلى فضاء الصناعة المنظمة القادرة على المنافسة والتصدير.
فمن ورشة نجارة صغيرة أسسها عام 1975 بدافع الشغف بالمهنة والإيمان بقيمتها، بدأت رحلة تكبر عامًا بعد آخر، قبل أن تتحول لاحقًا إلى مجموعة مصانع الجلاد للأثاث، إحدى الكيانات البارزة في القطاع.
وبحلول عام 1996، كان المشروع قد انتقل إلى مرحلة أكثر اتساعًا، مع إنشاء مصنع على مساحة 3 آلاف متر مربع يضم نحو 70 عاملًا.
ومع استمرار التوسع خلال السنوات التالية، بقيادة الجلاد ونجليه أحمد ومحمود، اقتربت مساحة المجموعة من 14 ألف متر مربع، لتوفر فرص عمل لنحو 500 موظف، في مسار يعكس قصة نمو بُنيت على الخبرة والتدرج والرهان على الجودة.
وتخصصت المجموعة في إنتاج الأثاث المنزلي، إلى جانب تنفيذ المشروعات الفندقية والتجارية، بما يشمل المنتجعات والمطاعم وحلول الديكور، فيما نجحت في بناء حضور تصديري بعدد من الأسواق العربية والأفريقية والأوروبية، مستفيدة من السمعة التاريخية للمنتج الدمياطي، ومن خبرة ممتدة في التصنيع والتصدير.
حضور مؤثر في دعم التصدير
وقال خليفة سالم، عضو غرفة صناعة الأخشاب والأثاث باتحاد الصناعات، إن الراحل محمد عبدالمنعم الجلاد يُعد أحد الأسماء البارزة التي تركت بصمة واضحة في صناعة الأثاث الدمياطي، مشيرًا إلى أنه تمتع بمكانة كبيرة داخل القطاع، وأسهم في تطوير الصناعة على مدار سنوات طويلة.
وأضاف أن الجلاد لعب دورًا مهمًا في دعم صادرات الأثاث، ونجح في تعزيز حضور المنتج الدمياطي في العديد من الأسواق الخارجية، سواء العربية أو الأوروبية، وهو ما جعله أحد الأسماء المرتبطة بملف التصدير داخل القطاع.
معادلة الهوية والتطوير
وفي السياق ذاته، قال علي زهرة، صاحب مصنع «كوليكشن» للأثاث بدمياط، إن «الجلاد» تميز برؤية خاصة في تصميم وتصنيع الأثاث، لاسيما في الطراز الكلاسيكي والطراز شبه الحديث، إذ نجح في تقديم نماذج حافظت على الهوية التقليدية للأثاث الدمياطي،
وفي الوقت نفسه واكبت ما شهدته الأسواق من تطورات وما فرضته من احتياجات جديدة للعملاء.
وأضاف زهرة أن الفارق بين جيل الرواد والجيل الحالي لا يرتبط بالكفاءة بقدر ما يعكس اختلاف أدوات العمل، موضحًا أن جيل الجلاد اعتمد بدرجة أكبر على الحرفة اليدوية والخبرة الفنية المتراكمة، بينما أصبحت التكنولوجيا الحديثة والماكينات المتطورة عنصرًا أساسيًا في الصناعة خلال السنوات الأخيرة.
وأكد أن الراحل كان نموذجًا لجيل بنى سمعته على جودة المنتج وإتقان التفاصيل، وهي القيم التي أسهمت في تشكيل الصورة الذهنية المميزة للأثاث الدمياطي على مدار عقود.
أثر مهنى وإنسانى ممتد
ومن جانبه، قال محمد عبده، صاحب شركة الطرابيلي للأثاث بدمياط، إن الراحل لم يكن مجرد مُصنّع أثاث أو صاحب نشاط اقتصادي، بل كان أحد الأسماء الراسخة في مسيرة صناعة الأثاث الدمياطي، وأحد أبناء جيل الرواد الذين لعبوا دورًا مهمًا في تشكيل ملامح القطاع.
وأضاف أن الجلاد نجح خلال رحلته المهنية في أن يكون نموذجًا للصانع الذي جمع بين الخبرة العملية والرؤية الصناعية، فيما امتد تأثيره إلى أجيال متعاقبة من العاملين وأصحاب الورش والمصانع، ممن تعلموا من تجربته واستفادوا من خبراته في مجالات التصنيع والإدارة والتسويق.
وأوضح أن الراحل كان حريصًا على نقل المعرفة والخبرة إلى الأجيال الجديدة، ولم يبخل يومًا بتقديم المشورة أو الدعم لأبناء المهنة، وهو ما أكسبه احترامًا واسعًا وتقديرًا كبيرًا داخل مجتمع صناعة الأثاث في دمياط.
وأشار إلى أن الجلاد كان حاضرًا في العديد من المبادرات والجهود الداعمة للقطاع، سواء عبر المشاركة في المعارض والفعاليات المتخصصة، أو من خلال دعمه المستمر لكل ما من شأنه تعزيز تنافسية الصناعة والحفاظ على مكانة المنتج الدمياطي.
وذكر أن الراحل كان يؤمن بأن مستقبل الصناعة لا يرتبط فقط بزيادة الطاقات الإنتاجية، وإنما أيضًا بالحفاظ على الحرفة وتطويرها ونقلها إلى الأجيال التالية، وهو النهج الذي انعكس بوضوح في مسيرته المهنية وعلاقاته داخل القطاع.
حين يرحل الرواد.. تبقى السيرة
ويرى أبناء الصناعة أن رحيل محمد عبدالمنعم الجلاد لا يمثل فقط فقدان أحد كبار المصنعين، بل غياب أحد رموز جيل كامل شارك في بناء سمعة الأثاث الدمياطي داخل مصر وخارجها، وأسهم في نقل الخبرة والمعرفة عبر عقود طويلة.
فبينما تتغير أدوات الإنتاج، وتتطور التكنولوجيا، وتتبدل اتجاهات الأسواق، تبقى تجارب الرواد مثل الجلاد جزءًا أصيلًا من الذاكرة الصناعية لدمياط، وشاهدًا على مرحلة كان فيها أبناء المهنة هم الحائط الأول الذي استندت إليه الصناعة، حتى انتقلت من نطاق الحرفة التقليدية إلى منتج يحمل اسم المدينة إلى أسواق عربية وأوروبية وأفريقية متعددة.
وفي سيرة محمد عبدالمنعم الجلاد، لا تبدو الحكاية مجرد قصة توسع لمصنع أو نجاح لكيان اقتصادي، بقدر ما تبدو سيرة رجل آمن بحرفته، وتمسك بهوية مدينته، وترك خلفه أثرًا مهنيًا وإنسانيًا سيظل حاضرًا في ذاكرة قطاع الأثاث الدمياطي طويلًا.








