صناعات السيارات والطيران تعتمد على عناصر تتحمل درجات الحرارة المرتفعة
كلما شددت الصين قبضتها على المعادن الأرضية النادرة، حسّن بقية العالم من قدرته على إيجاد بدائل لها.
أصبحت المغناطيسات الدائمة المصنوعة من المعادن الأرضية النادرة، التي تُستخدم في تثبيت كابلات الشحن بأجهزة الكمبيوتر المحمولة، وربط الهواتف المحمولة بحوامل التثبيت، وتثبيت سماعات الأذن اللاسلكية داخل علبها، إحدى أبرز ساحات المواجهة في حرب الصين التجارية مع منافسيها.
استخدمت بكين قيود تصدير هذه المغناطيسات لإجبار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على تراجع محرج عن الرسوم الجمركية التي فرضها في “يوم التحرير” العام الماضي. وإذ بها تستخدم الأسلوب نفسه اليوم في مواجهة اليابان على خلفية خلاف دبلوماسي مع طوكيو.
المعادن الأرضية النادرة الثقيلة فى قلب المعركة
لكن الصين باتت مضطرة إلى تضييق نطاق تركيزها لأن العالم بدأ يرد عليها بالمثل.
فقبل نحو 15 عاماً، كانت تستحوذ على إنتاج وتكرير معظم المعادن الأرضية النادرة في العالم، إلا أن سنوات من التهديدات المتكررة باستخدام هذه الورقة دفعت دولاً أخرى إلى تطوير سلاسل إمداد بديلة، ما أحدث انقلاباً كبيراً في المشهد.
واليوم، يُنتَج نحو ثُلث إجمالي المعادن الأرضية النادرة خارج الصين، وهو ما دفع بكين إلى تركيز قيودها على أكثر هذه العناصر ندرة، بحسب “بلومبرج”.
فالنيوديميوم والبراسيوديميوم، وهما العنصران اللذان يمنحان معظم المغناطيسات المستخدمة في الأجهزة المنزلية خصائصها المغناطيسية، أصبحا متوفرين بكميات تجعل التهديد بقطع إمداداتهما أقل فاعلية.
بناءً على ذلك، انتقل التركيز إلى ثلاثة عناصر أشد ندرة، هي الساماريوم والديسبروسيوم والتيربيوم.
فالمغناطيسات التقليدية المصنوعة من المعادن الأرضية النادرة تفقد جزءاً من كفاءتها عند درجات الحرارة المرتفعة، لذلك تعتمد التطبيقات عالية الأداء، مثل محركات السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح والصواريخ الموجهة وصناعات الطيران، على هذه العناصر، المعروفة باسم “المعادن الأرضية النادرة الثقيلة”، لتعزيز أداء المغناطيسات أو استبدالها بها.
اكتشافات جديدة تبدد أسطورة الندرة
إذا ما عدنا بالزمن عشر سنوات إلى الوراء، لكان معظم الجيولوجيين اعتبروا هذه الخطوة ضربة قاضية توجهها للصين، فالمعادن الأرضية النادرة الثقيلة تُعد ظاهرة جيولوجية نادرة.
وكما هو الحال مع معدن “فيبرانيوم” الخيالي في عالم “مارفل”، الذي لا يتواجد إلا في دولة “واكاندا” الأفريقية الخيالية، كان يُعتقد أن التكوينات الجيولوجية الغنية بهذه العناصر لا توجد إلا في موقع واحد على وجه الأرض، هو منطقة لونغنان النائية في جنوب الصين، حيث عثر الجيولوجيون مصادفةً على أحد هذه الرواسب عام 1969، في ذروة الثورة الثقافية.
لكن هذا الافتراض لم يعد راسخاً كما كان في السابق. فالعلماء لا يكفون عن ابتكار حلول للمشكلات التي تبدو عصية على الحل. إذ يواجه خبراء الكيمياء الصناعية ندرة المواد باللجوء إلى بدائل أخرى، كما حدث في السنوات الأخيرة مع الكوبالت المستخدم في بطاريات “أيون الليثيوم”، والذي استُبدل إلى حد كبير بالفوسفات الأكثر وفرة.
في المقابل، يواصل الجيولوجيون التنقيب في أنحاء العالم ليثبتوا أن ما كان يُعتقد أنه نادر ليس نادراً بالقدر الذي كنّا نتصوره، وهذا تحديداً ما يحدث اليوم مع المعادن الأرضية النادرة الثقيلة.
اكتشاف رواسب جديدة تكسر احتكار الصين
صحيح أن التكوين الجيولوجي الموجود في لونغنان نادر، لكنه ليس فريداً من نوعه.
ويُعرف هذا النوع من الرواسب باسم “الطين الممتص للأيونات”، ويتشكل عادةً عندما تؤدي الأمطار الاستوائية الغزيرة، على امتداد ملايين السنين، إلى تآكل الجبال الجرانيتية، فتجرف المعادن الأرضية النادرة الثقيلة إلى قيعان الوديان، حيث تحتجزها الصخور التي تعرضت للتآكل، لتعمل كمصفاة جيولوجية طبيعية.
في مواجهة القيود التي فرضتها الحكومة الصينية على الإنتاج في منتصف العقد الماضي، كانت شركات التعدين الصينية نفسها من أوائل من سعى إلى البحث عن مصادر بديلة، حيث اكتشفت رواسب غنية وبدأت باستغلالها في ولاية كاشين بميانمار التي مزقتها الحروب.
ربما بدأت تلك المناجم تنتج بالفعل كميات من المعادن الأرضية النادرة الثقيلة تفوق إنتاج المناجم الصينية، مع ما يرافق ذلك من مشكلات بيئية ملازمة لعمليات التعدين صغيرة النطاق.
في المقابل، تمضي مشاريع تعدين أكثر تنظيماً في مناطق أخرى من العالم.
ففي البرازيل، عملت شركة “دنهام كابيتال مانجمنت”، المتخصصة في الملكية الخاصة ومقرها بوسطن، معظم العقد الماضي على تطوير وإثبات الجدوى الاقتصادية لرواسب من الطين الممتص للأيونات في ولاية جوياس وسط البلاد.
وبعد حصول المشروع على استثمارات من ميك ديفيس، الرئيس التنفيذي السابق لشركة “إكستراتا”، وبدء الإنتاج في عام 2024، تستحوذ عليه حالياً شركة “يو إس إيه رير إيرث”، المتخصصة في تصنيع المغناطيسات، في صفقة تبلغ قيمتها 2.8 مليار دولار، أُعلن عنها في أبريل.
العالم يبني سلاسل إمداد بديلة
قد لا تكون هذه سوى قمة جبل الجليد.
فقد أكدت دراسة نُشرت العام الماضي وجود رواسب من الطين الممتص للأيونات في 4 قارات، من مدغشقر ومالاوي وأوغندا إلى تشيلي وأستراليا، إضافةً إلى المواقع المعروفة سابقاً، كما تشير الأدلة إلى وجود هذه الرواسب في ماليزيا وتايلندا وفيتنام، وحتى في فنلندا.
في موازاة ذلك، تعمل شركات خارج الصين تمتلك خبرة في معالجة هذه الخامات على إنشاء مرافق لفصل عناصر الديسبروسيوم والتيربيوم والساماريوم.
وقد بدأت بالفعل شركتا “ليناس رير إيرثز” و”نيو بيرفورمانس ماتيريالز” الإنتاج التجاري، فيما تتوقع شركة “إم بي ماتيريالز” وشركة “كيريستر”، الشريكة لـ”يو إس إيه رير إيرث”، بدء التشغيل خلال الأشهر المقبلة.
يعكس ذلك ثقة كبيرة بجدوى الاستثمار في مشاريع التعدين عند المنبع.
فالقيمة الأساسية لهذه الاستثمارات في منشآت المعالجة تكمن في قدرتها على التحرر من هيمنة الصين على سلاسل إمداد المعادن الأرضية النادرة. إذ لا معنى لإنفاق الأموال على هذه المرافق إذا كانت ستظل تعتمد على الصين وشركائها في ميانمار لتأمين المواد الخام.
ويحمل هذا النشاط المتزايد تحذيراً واضحاً للدول التي تسعى إلى تقييد تدفقات المعادن لتحقيق مكاسب جيوسياسية.
ففي محاولتها حرمان منافسيها من المغناطيسات المصنوعة من المعادن الأرضية النادرة، تسهم الصين، من حيث لا تدري، في ترسيخ صناعة عالمية ستجعل هذه المواد أكثر وفرة من أي وقت مضى.







