يتمحور أحدث قلق في قطاع الطاقة حول احتمال بلوغ المخزونات ما يُعرف بـ”قاع الخزانات”، وهو الحد الأدنى من النفط الخام الذي يتعين أن يبقى في الخزانات لضمان استمرار تدفق الإمدادات من الحقول إلى المصافي دون انقطاع.
وكما هو الحال مع كثير من السرديات في الأسواق المالية، فإن الحديث عن أزمة نفط وشيكة يستند إلى قدر من الحقيقة، لكنه ينطوي أيضاً على كثير من المبالغة.
استنزاف هائل للمخزونات النفطية
لا شك أن العالم استنزف جزءاً كبيراً من مخزوناته النفطية خلال أكثر من 150 يوماً من التأرجح بين الحرب والهدنة.
في المتوسط، انخفضت المخزونات العالمية، بما فيها المخزونات التجارية والاحتياطيات النفطية الاستراتيجية التي تحتفظ بها الحكومات، بمعدل يقارب 3.9 مليون برميل يومياً بين مطلع مارس ونهاية مايو، وهذا تراجع هائل، يعادل تقريباً إجمالي الطلب اليومي على النفط في كلٍ من ألمانيا وفرنسا.
ثم تباطأ استنزاف المخزونات في يونيو، بعد إعادة فتح مضيق هرمز لفترة وجيزة إثر توقيع الولايات المتحدة وإيران مذكرة تفاهم.
إلا أن هذا التحسن كان مؤقتاً، إذ عاد استنزاف المخزونات إلى التسارع في يوليو مع انهيار الاتفاق، ما دفع طهران إلى إغلاق المضيق مجدداً.
تشير تقديراتي التقريبية إلى أن العالم استنزف ما بين 400 و600 مليون برميل من مخزوناته النفطية، بما يشمل الكميات المخزنة على متن الناقلات المستخدمة كمستودعات عائمة، وهذا رقم هائل حقاً لا يجوز التقليل من أهميته.
حتى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه عبّر عن مثل هذه المخاوف، معتبراً أن تفادي أزمة في المخزونات النفطية كان أحد الأسباب التي دفعت إلى إبرام الاتفاق مع طهران، وقال في 17 يونيو: “تنفد احتياطياتنا خلال نحو أربعة أسابيع، وعندها لن يكون النفط متاحاً، فهل تريدون أن تشهدوا فوضى؟”.
“قاع الخزانات” سردية مبالغ فيها
من السهل رسم صورة قاتمة للسوق إذا ما انتقينا عدداً محدوداً من المؤشرات.
فعلى سبيل المثال، تراجع الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأمريكي إلى أدنى مستوياته منذ عام 1983، فيما هبطت مخزونات النفط الخام في مركز التخزين بمدينة كوشينج في ولاية أوكلاهوما إلى أدنى مستوى لها في عقد.
لكن استنزاف المخزونات لم يكن متساوياً حول العالم، إذ تحملت الولايات المتحدة النصيب الأكبر، بينما كان السحب أقل في آسيا، وبدرجة أقل في أوروبا.
وبالاستماع إلى المتفائلين بارتفاع أسعار النفط، ولاسيما المستثمرين الذين يراهنون على صعودها، والذين يكررون منذ أواخر فبراير أن سعر البرميل يتجه إلى 200 دولار، سنرى التحذيرات كيفما اتجهنا: المخزونات العالمية عند أدنى مستويات تاريخية.. العالم يستهلك آخر ما لديه من احتياطيات.. لقد بلغنا “قاع الخزانات”.
لكن فلنتريث قليلاً، المخزونات العالمية لم تنخفض حتى الآن إلا بنحو نصف ما كان يتوقعه الكثير عند اندلاع الصراع. يعني ذلك أن سوق النفط كانت أكثر توازناً مما رجّحته التقديرات الأولية، في ظلّ استخدام خطوط الأنابيب البديلة لمضيق هرمز، وعبور أعداد فاقت التوقعات من ناقلات النفط التي أخفت مواقعها، إلى جانب تراجع واردات الصين وزيادة الإنتاج في الأمريكتين، من كندا إلى الأرجنتين.
كذلك، فإن الحديث عن اقتراب العالم من بلوغ “قاع الخزانات” يغفل عاملين أساسيين. أولهما، التراكم الضخم الذي بنته الصين في مخزوناتها النفطية خلال العقد الماضي، والذي يشكل اليوم هامش أمان كبير.
فقبل اندلاع الحرب، كان لدى بكين أكثر من 1.4 مليار برميل من الاحتياطيات الاستراتيجية، ولم تسحب منها منذ ذلك الحين سوى نحو 100 مليون برميل، وفق تقديرات تقريبية.
وبذلك، لا تزال تمتلك احتياطيات وفيرة تمكّنها من الإبقاء على وارداتها دون مستويات ما قبل الحرب.
الصين واحتياطيات الدول الغنية تبددان مخاوف النفاد
لم يتضح بعد ما الخطوة التالية التي ستتخذها بكين. ويبدو أن واردات الصين من النفط بلغت أدنى مستوياتها في يونيو، بعدما هبطت بأكثر من 40% على أساس سنوي، قبل أن تسجل تعافياً جزئياً خلال يوليو، ولاسيما في الأيام العشرة الأخيرة من الشهر، ومع ذلك، لا تزال الواردات أقل بنحو 30% إلى 35% مقارنة بمستويات 2025.
وأتوقع أن تواصل الصين شراء كميات أقل من العام الماضي، مع استخدام مخزوناتها كهامش أمان.
صحيح أن المخزونات العالمية خارج الصين منخفضة، وربما تقترب من مستويات تدعو إلى القلق، لكن استبعاد أكبر مستوردة للنفط في العالم من حساب المخزونات العالمية يبدو مضللاً، وإذا كانت سوق النفط استخلصت درساً، فهو مدى المرونة التي تتمتع بها الصين.
أما المشكلة الثانية في الطرح القائل إن المخزونات توشك على النفاد، فهي المبالغة في تقدير حجم التراجع في الاحتياطيات الاستراتيجية لدى الدول الغنية.
هذا الانخفاض لم يكن مفاجئاً، بل كان متوقعاً منذ الإعلان عن السحب مطلع مارس، لكن اللافت أن الاحتياطيات لم تنخفض أكثر.
ورغم تعهّد أعضاء وكالة الطاقة الدولية بضخ 400 مليون برميل في السوق، لم تتجاوز الكميات التي أُفرج عنها حتى الآن نحو 290 مليون برميل. وفي أوروبا، أعادت بعض الدول شراء جزء من البراميل التي طرحتها.
مع ذلك، لا تزال الدول الغنية تحتفظ بنحو مليار برميل إضافي يمكن اللجوء إليه إذا استمرت الاضطرابات، فيما تملك اليابان وكوريا الجنوبية على وجه الخصوص مخزونات وفيرة.
إعادة فتح هرمز ضرورة لا بديل عنها
لكن عند النظر إلى الصورة الأوسع، يتضح أن المشهد أكثر تعقيداً مما توحي به رواية اقتراب المخزونات من النفاد، فصحيح أنها تراجعت، لكنها لا تزال بعيدة عن النضوب.
المراهنون على ارتفاع الأسعار يقللون من حجم النفط المتبقي في الاحتياطيات، لكنهم محقون في أمر واحد: كل يوم إضافي تستمر فيه حرب إيران يعني تآكلاً أكبر في هامش الأمان، وهو وضع أتفق أنه لا يمكن أن يستمر.
ولا حل سوى إعادة فتح مضيق هرمز، سواء عبر اتفاق مع إيران أو من دونه، قد لا يستسيغ البيت الأبيض الحلّ الأول، لكنه يظل أفضل بكثير من البدائل.








