يعيد التسوق عبر البث المباشر، إلى الأذهان موجة الانتشار التى حققتها “كيو في سي” خلال العقود الماضية، إذ يضع المستهلكين أمام مقدمى عروض يبيعون المنتجات ويتفاعلون معهم فى الوقت الفعلى.
وتبث “كيو في سي” حالياً عبر “تيك توك” لأكثر من 200 ساعة أسبوعياً من خلال سبع قنوات، وفقاً للشركة، مع إعطائها الأولوية للأنشطة الرقمية عقب خروجها حديثاً من الإفلاس.
وقال باتريك نومينسن، رئيس المبادرات الاستراتيجية فى “متجر تيك توك” بمنطقة الأمريكتين: “تمثل كيو فى سى نموذجاً رائعاً لشركة تجزئة كبيرة وراسخة، ربما كان يُنظر إليها باعتبارها منافساً لمتجر تيك توك، لكنها أثبتت فى الواقع أنها تاجر بالغ النجاح على المنصة”.
وبدأت “بيتش ويفر” نشاطها عبر “كيو في سي”، قبل أن يعيد كل من “تيك توك” و”وات نوت” ابتكار هذا النموذج وتقديمه بصيغة جديدة.
وقالت بوتيمبا: “لا أحد يقول لك: حسناً، لديك عشر دقائق في السابعة مساءً، فاستعدي، وهذه هى دقائقك العشر، ثم ينتهي كل شيء.
تحتاجين بالتأكيد إلى البقاء مدة أطول على المنصة الرقمية، لكنك في المقابل تتمتعين بقدر أكبر بكثير من السيطرة على الإيرادات”.
تسير سوق التسوق المباشر فى الولايات المتحدة على خطى الصين، إذ يُتوقع أن تقترب مبيعات القطاع من 20 مليار دولار خلال 2026، بزيادة سنوية تبلغ نحو 35%، وفقاً لتقديرات شركة أبحاث السوق “إي ماركتر”.
ومع ذلك، لايزال هذا المستوى بعيداً للغاية عن النمو المتسارع الذى شهده التسوق عبر البث المباشر في الصين.
وأطلقت “على بابا” منصة “تاوباو لايف” في الصين عام 2016.
وخلال خمس سنوات، تجاوز حجم السوق 50 مليار دولار، فيما يُتوقع أن يتخطى 1.1 تريليون دولار في 2026، وفقاً لـ”إي ماركتر”.
المستهلكون الأصغر سناً يعتبرون التجارة المباشرة وسيلة اكتشاف المنتجات الجديدة
وأصبح التسوق المباشر مندمجاً بصورة متزايدة في “التطبيقات الفائقة” الصينية، التي يستخدمها ملايين الأشخاص وتجمع بين خصائص متعددة، مثل وسائل التواصل الاجتماعى والمراسلة في حالة “وي تشات”، أو مساعدات الذكاء الاصطناعي وخدمات توصيل الطعام وحجز السفر عبر “كوين” التابعة لـ”على بابا”.
وقال نيل سوندرز، المدير الإدارى فى “جلوبال داتا”: “لايزال المستهلكون الصينيون يحبون المتاجر، لكنهم يستخدمون البث المباشر ضمن التجربة الرقمية بوصفه مصدراً للترفيه والتفاعل والإلهام.
أما فى الولايات المتحدة، فقد اعتدنا تقليدياً الاعتماد بصورة أكبر على المتاجر لأداء هذا الدور”.
وأوضح سوندرز، أن هذا الواقع بدأ يتغير، مع تزايد اعتماد المستهلكين الأصغر سناً على التجارة المباشرة لاكتشاف المنتجات.
وأُطلق “متجر تيك توك” فى 2023، وكشفت الشركة حصرياً لشبكة “سي إن بي سي” أن مبيعات التسوق عبر البث المباشر ارتفعت بأكثر من الضعف خلال النصف الأول من 2026، مقارنةً بالفترة نفسها من 2025.
وقالت “تيك توك”، إن عدد جلسات التسوق المباشر زاد بأكثر من 60% خلال الفترة نفسها، بينما ارتفع إجمالي ساعات البث المباشر بأكثر من 80%.
تأسست “وات نوت” فى 2019، وبنت قاعدة مستخدميها بالاعتماد على المنتجات المبتكرة والمقتنيات.
ونمت الشركة بوتيرة سريعة خلال العام الماضي، إذ تضاعف تقييمها منذ أكتوبر.
كما احتلت المرتبة الثامنة فى قائمة “سي إن بي سي ديسربتور 50” لهذا العام، التي ترصد أكثر الشركات المدعومة برأس المال المغامر تحقيقاً للوعود.
وتقول “وات نوت”، إنها أكبر منصة للتسوق عبر البث المباشر في الولايات المتحدة، لكنها رفضت الإفصاح عن أرقام مبيعاتها المحلية.
وأبلغت الشركة “سي إن بي سي” بأن غالبية مبيعاتها العالمية البالغة 8 مليارات دولار، التي أعلنتها عن عام 2025، تحققت داخل السوق الأمريكية.
وقال إريك باجان، الذي يبيع منتجات لعلامات تجارية عبر المنصتين، خلال مقابلة أُجريت في منتصف أغسطس: “يمكن أن يتابع عرضك عبر وات نوت أو تيك توك خمسة آلاف أو 10 آلاف شخص فى الوقت نفسه.
المبيعات داخل الولايات المتحدة تقترب من 20 مليار دولار بنمو 35%
قدمت عرضاً على تيك توك خلال عطلة نهاية الأسبوع تجاوزت مبيعاته ستة أرقام بفارق كبير، وأعتقد أن العلامات التجارية لا تدرك حتى الآن أن هذا الحجم من الفرص موجود بالفعل”.
وتركز “وات نوت” بصورة أساسية على المزادات التى تتيح للمشاهدين المزايدة على المنتجات في الوقت الفعلى، بينما أطلقت “تيك توك” المزادات المباشرة في يناير.
قال أرماند ويلسون، كبير مسؤولي الإيرادات في “وات نوت”: “يبدو أن الأمور بدأت تنسجم بقوة، وأن التسوق عبر البث المباشر أصبح أكثر انتشاراً بين الجمهور.
في العام الأول، كان النشاط يقتصر إلى حد كبير على المقتنيات، أما الآن فيمكن لأى شخص تقريباً تنزيل وات نوت والعثور على شيء يناسبه”.
توفر منصات التجارة الإلكترونية التقليدية، مثل “أمازون” و”وول مارت” و”إيباي”، منصات أصلية تتيح للبائعين استضافة عروض التسوق عبر البث المباشر، غير أن هذه المنصات لا تعتمد في جوهرها على الفيديو بالطريقة نفسها التي تعمل بها مواقع التواصل الاجتماعي.
ورفضت “أمازون” و”وول مارت” التعليق على أنشطة التسوق المباشر لديهما، بينما وصف ممثل لمنصة “إيباي لايف” الخدمة بأنها تجعل التسوق “أكثر إنسانية”.
كما رفضت الشركات الثلاث مشاركة أرقام مبيعات البث المباشر مع “سي إن بي سي”.
وقال مارك يوان، المسؤول السابق عن تطوير الأعمال في قسم التسوق المباشر لدى “إيباي” والمالك الحالي لشركة استشارات التجارة الإلكترونية “أند لوكس”، إن منصات التجارة التقليدية تستفيد من ثقة المستهلكين التي اكتسبتها بفضل تاريخها الطويل في السوق.
وأضاف أن “هذه أمور لا يمكن شراؤها بالمال، لكن ما يمنح تلك المنصات الأفضلية ربما يمثل أيضاً عائقاً أمامها، للأسف. فمن الناحية الهيكلية، يصعب للغاية عليها التحول إلى منصة تضع اكتشاف المنتجات أو المحتوى في المقام الأول”.
أما الشركات الأحدث دخولاً إلى السوق، فتنجح في إنشاء مساحات تجمع المستهلكين ذوي الاهتمامات المتشابهة.
وتقول “وات نوت”، التي تحظى بشعبية خاصة في مجال المقتنيات، إنها تعطي الأولوية لبناء المجتمعات، وحققت نجاحاً في مجالات مثل مجسمات “فنكو بوب”، وبطاقات “بوكيمون”، والأحذية الرياضية والأزياء.
وقال ويلسون: “كان الدخول إلى مجتمع معين، وفهم مشكلاته بعمق حقيقي، ثم بناء منتج يلبي احتياجاته، هو النهج الذي أعتقد أنه أوصلنا إلى ما نحن عليه اليوم، وهو أيضاً ما يميزنا بالفعل”.
وقال باجان، مقدم عروض البث المباشر، إنه من دون ثقة المشاهدين “لا جدوى من البث المباشر من الأساس”.
وأضاف أن “هؤلاء الأشخاص أصدقائي، وأعتقد أنهم يعرفون عني أشياء لا يعرفها شخص عادي قد أقابله في الشارع، وقد أجرينا تلك المحادثات خلال بث مباشر”.
وقال مارشال كوهين، كبير محللي قطاع التجزئة في “سيركانا”، إن التسوق عبر البث المباشر يساعد في سد الفجوة بين التجارة الإلكترونية وتجارة التجزئة التقليدية.
وأضاف كوهين: “لا يمكنك لمس المنتج أو تحسسه، لكن يمكنك الاستماع إلى آراء الآخرين فيه. ويسد التسوق المباشر هذا القصور الناتج عن عدم القدرة على اللمس والتحسس، وهو ما كان دائماً أكبر تحديات التسوق عبر الإنترنت”.
لكن هذه المنصات تواجه مجموعة من التحديات الخاصة بها، إذ اضطرت “وات نوت” و”تيك توك” إلى التعامل مع مشكلات تتعلق بالسلع المقلدة والمسروقة.
كما يتحمل البائعون تكلفة مقابل الاستفادة من منصة كبيرة، إذ تحصل “وات نوت” على عمولة تتراوح بين 4% و8% من المبيعات، بحسب نوع المنتج، بينما تحصل “تيك توك” على 6%، إلى جانب رسوم إضافية لمعالجة المدفوعات.
وأدت الشعبية المتزايدة للتسوق عبر البث المباشر إلى تصاعد المنافسة على جذب انتباه المشاهدين.
وقال سوندرز من “جلوبال داتا”: “يتمثل التحدي الأكبر في الظهور أمام الجمهور. وعليك التأكد من توافق موجز المحتوى الخاص بك مع الخوارزمية، ومن أنها تعرضك أمام الأشخاص المناسبين”.








