بقلم : معتز بالله عبد الفتاح – الوطن
حين يتذكر الإنسان الآية الكريمة: «يا أبتِ استأجره إن خير من استأجرت القوى الأمين»، يدرك لماذا جعلها كثيرون آية مركزية فى السياسة الشرعية؛ لأنها تجمع عناصر الولاية: الاستئجار (من عرض وقبول للمنصب)، والقوة، والأمانة. وبما أن كتالوج التقدم فى الكون له قسمات مشتركة، فقد أشار ماركوس أوراليوس، الإمبراطور الرومانى الشهير، فى «تأملاته» للمعنى نفسه، ومعلوم أنه سابق على الإسلام بخمسة قرون، ونجد الكتب المعاصرة فى موضوع «القيادة» تؤكد المعنى نفسه وإن كانت تضيف له أبعاداً أخرى متنوعة على سبيل التفصيل.
قال ابن تيمية: «اجتماع القوة والأمانة فى الناس قليل، ولهذا كان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول: «أشكو إلى الله جَلَد الفاجر وعجز الثقة».
وهو ما يجعلنا نفهم لماذا وضع ابن تيمية، ومن بعده ابن خلدون، خالد بن الوليد وعمرو بن العاص ومعاوية بن أبى سفيان وزياد بن أبيه والمغير بن شعبة مع آخرين فى خانة من تفوقت عندهم القوة على الأمانة، دون أن نقدح فى أمانتهم قطعاً، فهم فى النهاية، صحابة الرسول الذين مات وهو عنهم راضٍ، وحسابنا وحسابهم عند خالقنا.
وفى المقابل وضع ابن تيمية بعض الأسماء مثل أبى ذر، وابن مسعود، وأبى موسى الأشعرى، وسلمان الفارسى وغيرهم كأمثلة لأشخاص فى الخانة نفسها ممن تفوقت لديهم الأمانة على القوة، وكانت كلمات الرسول لأبى ذر مدخلاً مهماً لفهم هذه المعادلة: «يا أبا ذر إنى أراك ضعيفاً.. لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم».
إذن، حين تفوقت القوة على الأمانة، كان لدينا خالد بن الوليد الذى يذكر ابن تيمية أن الرسول رفع يديه إلى السماء ذات مرة، وقال: «اللهم إنى أبرأ إليك مما فعل خالد» وهو ما جعل عمر بن الخطاب يستنكر قتله مالك بن نويرة، ثم يعزله فيما بعد ويقول: «إن فى سيف خالد رهقا».
وحين تفوقت الأمانة على القوة، كان لدينا أبوذر بما عرف عنه من ورع وزهد، لكن هذا ليس كافيا كى يتولى أمانة الحكم بما تتطلبه من شكيمة وحسم وعدم الاستغراق فى البحث عن شعبية زائفة، المشكلة هنا أن تولية الأمين، حتى إن لم تكن فيه من صفات القوة ما يكفى، أورثتنا مشاكل عديدة، أعود لابن خلدون الذى أوضح أن عثمان بن عفان «آنس فيه بعض الطامعين ضعفاً»، وقال عنه ابن تيمية: «لم يكن فيه قوة عمر ولا سياسته.. فطُمِع فيه بعض الطمع، وتوسعوا فى الدنيا».
ولكن هناك نموذجاً ثالثاً لتكامل عناصر القوة والأمانة مثلما كان فى أبى بكر، وعمر، وعلى، وابن الجراح، وهناك نموذج رابع لانتفاء أى من هذه العناصر، وهو معنى «أن يلى أمورنا شرارنا».
هذا حديث الماضى الذى ينبغى أن نستدعيه من أجل المستقبل؛ لأن هذه التركيبة من الصفات ليست أمر حظ أو مصادفة وإنما لا بد من اختبارها عن قصد وتدبر فى الأشخاص المرشحين للولاية العامة عبر مؤسسات العمل المدنى والحزبى والتنفيذى كى نعرف من يصلح لماذا، ومن ذا الذى تتكامل فيه صفات النزاهة الشخصية مع الكفاءة المهنية.
ثقوا فى الله ثم فى أنفسكم، واعملوا اللى عليكم ولا تتكاسلوا عن انتخاب من ترونه الأصلح، اليأس خيانة والسلبية جريمة والإحباط انتحار، ولنقف أمام الله وأمام أنفسنا قائلين: لقد فعلنا ما نستطيعه وعلى الله قصد السبيل.