بقلم: ناثان براون
انتهت الجمعية التأسيسية من المسودة النهائية لدستور مصر وسط أجواء من المناورات السياسية والتهديدات والتصريحات الحادة، التى مايزال المعلقون والمواطنون يحاولون فهم آثارها، ومن منظور ديمقراطى ليبرالى هناك العديد من البنود الجيدة فى هذا الدستور خاصة عندما يتم مقارنته بتلك الذى استبدل به، ولكنه يحوى أيضاً العديد من أسباب القلق حيث انه ترك ثغرات كثيرة لن يتمكن احد من سدها سوى الساسة.
ومما لا شك فيه ان الاضرار السياسية والواسعة النطاق حاليا لا يمكن التغلب عليها، فقرار الرئيس المصرى بالاستحواذ على جميع السلطات حتى ولو لفترة مؤقته والهرع إلى انهاء مسودة الدستور لم يؤد فقط إلى اشتباكات فى الشوارع المصرية بل أيضاً إلى اعتراضات من قبل اجهزة الدولة.
جميع المنظمات المهنية بالدولة منقسمة بشدة بين مؤيدى الحكومة الاسلامية ومعارضيها، وصلت الحرب الاهلية داخل النقابات العمالية إلى أشدها وخرج القضاة محتجين وبات من الصعب رؤية كيف ستتمكن هذه المؤسسة التى حاولت الحفاظ على استقلالها حتى فى خضم اكثر الفترات الاستبدادية التى عاشتها مصر من الخروج سالمة من هذا المأزق، وفى المقابل قد يلحق ذلك ضررا بالغا بآلية الانتخاب بالبلاد لانها تعتمد على إشراف القضاة الذين شعروا بإهانة بالغة.
والمرارة التى يعيشها الشعب المصرى اليوم بات يرافقها الآن سفك للدماء، مما جعل الوصول إلى حل توافقى امرا بعيد المنال اكثر من أى وقت مضي، وحتى لو التأمت تلك الجروح العميقة التى تسبب فيها هذا الدستور فهذا لا يلغى حقيقة انه يثير العديد من المخاوف، وسواء أصبح هذا الدستور فى نهاية المطاف اساسا لنظام تعددى او أداة لاغلبية إسلامية دائمة، فان ذلك يعتمد على خمسة عوامل رئيسية.
وتأتى القوانين لتكون أول هذه العوامل بصفتها الأداة التى يتم وضعها لاعطاء بنود الدستور معانى ملموسة امر فى غاية الاهمية، سوف تتطلب البنود الاكثر تحررا إعادة صياغة بواسطة القانون المصرى كتلك التى تحكم الصحافة والمنظمات غير الحكومية، وفى المجالات الاخرى كالحرية الدينية والاقتصاد، نجد ان الغموض الذى يحتويه النص يعطى المشرعون مزيدا من الحرية.
وستكون الانتخابات المعركة الثانية، اذا قاطعت قوى المعارضة التى رفضت الدستور الانتخابات القادمة، فسوف تترك الساحة فارغة امام الاسلاميين، وقد أظهر غير الاسلاميين قدرة كبيرة على حشد آلالاف من المتظاهرين ولكنهم لم يظهروا أى رغبة للبدء فى العمل الجاد من اجل تعبئة الملايين للانتخابات، وكلما كانت الانتخابات فى صالح الاسلاميين، فالخطوات نحو الديمقراطية لن تكون سوى خطوات نحو استمرار الحكم الاسلامي.
فيما تمثل الطرق التى سيعيد بها حكام مصر المنتخبين تشكيل مؤسسات الدولة، والجيش، والمؤسسات الدينية والمحاكم، العنصر الحاسم فى تحديد مغزى الدستور من الناحية العملية.
والعامل الرابع الرئيسى هو الاجابة على سؤال من سيقوم بتفسير وتطبيق أحكام الشريعة الاسلامية، تشعر الجميع أنه للوهلة الأولى هناك اختلافات طفيفة بين البنود الموجودة فى هذا المشروع وتلك التى نص عليها دستور 1971 ولكن مقصد المواد الدستورية يتغير وفقا لمن هو المسئول عن تنفيذها.
وقد ادخل الدستور عنصرين جديدين، وهي، البند الذى ينص على ضرورة استشارة الازهر بشأن احكام الشريعة الاسلامية، والبند الذى يشرح مباديء الشريعة الاسلامية والتى تتضمن الاحكام العامة والقواعد الفقهية والمصادر المقبولة فى مدارس الطائفة السنية، فمن ناحية يمكن ان يستغل البرلمانيون والقضاة هذا البند فى اضافة اجزاء كبيرة من الفقه الاسلامى إلى القانون ومن ناحية اخرى قد يتجاهلونه إذ ان الدستور لم يعط توجيهات محددة حيال كيفية تطبيق هذا البند.
العامل الأخير سيكون ما اذا كان الدستور نجح فى تحجيم السلطات الاستبدادية للرئيس، فمنذ الأيام الأولى للثورة المصرية وجميع القوى السياسية اتفقت على ان الاستبدادية التى حكمت البلاد على مدار ستة عقود لا بد من وضع حد لها، ولكن يبدو أن الدستور رئاسى أكثر مما كان متوقعا وترك بعض آليات السلطة فى ايدى الرئيس كالسلطة التى تعطيه الحق فى تجاوز السلطات الاخرى واللجوء مباشرة إلى الشعب فى استفتاء ملزم.
إعداد: نهى مكرم
المصدر: فورين افيرز








