«الإيكونوميست»: لا توجد مبررات اقتصادية للقلق الحكومى من تراجع البورصة والسوق أعلى من مستواه قبل سنة 75%
منذ ما يقرب من عامين، اعتمدت آمال الإصلاح الاقتصادى فى الصين على أضعف التحولات الفعالة، إذ أعلن الحزب الشيوعى، فى الاجتماع المغلق الذى انعقد فى أواخر عام 2013، أنه سيسمح بأن تلعب قوى السوق «دوراً حاسماً» فى تخصيص الموارد، ففى السابق كان تأثيرهم محدوداً، وعزز هذا الأمر التوقعات بأن البلد سيخفف من قبضته على الشركات والتجارة والقطاع المالي.
وتلقت تلك الآمال ضربةً قويةً، الأسبوع الماضى، من خلال انهيار البورصة الصينية، وفى نهاية تداولات يوم 7 يوليو الجارى تم تعليق أو إيقاف 90% من الأسهم المدرجة، وانخفضت الأسهم بنحو الثلث فى أقل من شهر، ومع ذلك، فإن انهيار أسعار الأسهم أو تداعيات ذلك على الاقتصاد الصينى ليسا هما مصدر القلق، برغم مساعى الحكومة القوية لإيقاف موجة البيع الجماعى للأسهم.
وذكرت مجلة الإيكونوميست، فى تقرير لها، أن اضطرابات السوق هى أول خلل اقتصادى يشهده شى جينبينج ولى كبيانج، قادة الصين، ولم تسفر محاولات المسئولين الفاشلة إلا عن ازدياد الوضع سوءاً، ويكمن الخطر الآن فى أن الحزب ينجذب وراء الاستنتاجات الخاطئة، تاركاً الصين أكثر عرضة لعدم الاستقرار.
ويكمن الخطأ الأول، الذى غالباً ما يرتكبه المتشائمون فى الصين، فى الاعتقاد بأن انهيار البورصة ينذر بانهيار اقتصادي، وهذا غالباً لن يحدث، فحقيقى أن سوق الأسهم تراجع بنحو الثلث فى غضون أسابيع قليلة، ولكنه عاد مرة أخرى إلى مستويات شهر مارس، وما زال مرتفعاً بنسبة 75% فى عام.
وفى الواقع لا يزال سوق الأسهم يلعب دوراً ضئيلاً فى الصين، فالقيمة الحرة المتاحة فى الأسواق الصينية، أى المبلغ المتاح للتداول، لا يشكل سوى ثلث الناتج المحلى الإجمالي، مقابل ما يزيد على 100% فى الاقتصادات المتقدمة، ويُستثمر أقل من 15% من الأصول المالية للأسر فى البورصة، ولهذا السبب لم يكن لارتفاع أسعار الأسهم تأثير كبير على تعزيز الاستهلاك، وبالتالى فإن انهيارها لن يكون له تأثير كبير أيضاً على الاستهلاك.
ويشترى المتداولون العديد من الأسهم بالدين، وعدم تسوية هذه القروض يفسر السبب وراء عدم قدرة الحكومة على إيقاف اضطرابات سوق الأسهم، ولكن مثل هذا التمويل لا يحمل أى مخاطر نظامية، إذ تشكل هذه القروض نحو 15% من إجمالى الأصول فى النظام المصرفي، ويعد الاقتصاد الصينى قوياً، إذ استقر النمو رغم تباطؤه، وسوق العقارات آخذ فى الارتفاع، كما أن سعر الفائدة فى السوق المالى منخفض وثابت، ما يشير إلى أن البنوك فى حالة مستقرة.
ومن باب الإنصاف، فإن المسئولين الصينيين يدركون هذا الأمر، ولكن المشكلة هى أنهم أقل استعداداً لقبول سببين أساسيين لعدم الاستقرار، وهما هيكل الأسواق والسياسة الهشة فى الصين.
وساعد النظام المالى المقمع فى الصين على تضخم الفقاعة من خلال ضخ النقدية فى سوق الأسهم، وتدفع البنوك أسعار فائدة أقل بكثير من المستوى المتوقع دون ضوابط تنظيمية، ويتعين على الصين تطوير البدائل للمدخرين الباحثين عن أماكن أخرى للاحتفاظ بنقودهم، وأثار البحث عن عوائد جيدة خلال العقد الماضى جنوناً استثمارياً فى العقارات والطوابع والفول والشاي، وهى خطوات تمنح المستثمرين وصولاً أفضل للأسواق الأجنبية، وتحرر أسعار الفائدة فى البنوك التى جميعها تصب فى الاتجاه الصحيح، ولكنها تتعثر، وكانت الأسهم عرضةً لحدوث فقاعة فى عام 2015، كما كانت فى عام 2007، آخر مرة شهدث فيها الصين جنوناً فى سوق الأسهم.
وإذا لم يكن الاستقرار الاقتصادى فى خطر، فإن أفضل تفسير لتدخلات الحكومة هو السياسة، فعندما كان سوق الأسهم مرتفعاً، أشادت الصحافة بالاتجاه الصاعد للبورصة باعتباره تأكيداً على الإصلاحات الاقتصادية لفريق شى لي، ولكن الآن تتهاوى أسعار الأسهم، والمنظمون يريدون تعزيز سمعة القيادة.
ولم يكن الدافع فقط غامضاً، بل طبيعة التدخلات كانت غير حكيمة أيضاً، إذ كان خفض أسعار الفائدة كنوع من أنواع الدعم للاقتصاد فى الوقت الذى كانت فيه أسعار الفائدة منخفضةً جداً كافياً جداً، ولكن المنظمين وضعوا حداً أقصى للبيع على المكشوف، وتعهدت صناديق المعاشات بشراء المزيد من الأسهم، وعلقت الحكومة الطروحات الأولية، وأنشأ السماسرة صندوقاً لشراء الأسهم مدعوماً بنقدية البنك المركزي.
وبما أن الحزب الشيوعى لا يثق بقوى السوق، فبالتالى لا يفهمها، وتشير المحاولات الفاشلة لإنقاذ البورصة إلى فقدانه السيطرة، ومن أحد الأوهام الدائمة بشأن الحكم الصينى هو أنه أياً كانت أوجه القصور الأخرى، فالتكنوقراطيون قادرون بكل وضوح على السيطرة عليها، وعدم محالفتهم الحظ فى مواجهة اضطرابات السوق يشير إلى واقع أكثر إرباكاً.








