في الذكرى الثمانين لتأسيس الأمم المتحدة، يقف النظام الدولي عند مفترق طرق. فالمنظمة التي نشأت عام 1945 على أنقاض الحرب العالمية الثانية بهدف منع نشوب حرب عالمية ثالثة وصون السلم والأمن الدوليين، وحماية حقوق الإنسان، وتعزيز التعاون لمواجهة التحديات المشتركة. تجد نفسها اليوم أمام عالم أكثر اضطرابًا من أي وقت مضى؛ التوترات الجيوسياسية تتصاعد بين القوى الكبرى، الصراعات المسلحة تمتد من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، والأزمات الإنسانية تتفاقم في غزة والسودان واليمن، فيما تتآكل الثقة في قدرة المؤسسات الدولية على التحرك الفعّال.
تتجلى أزمة الثقة الأكبر في هيئات الأمم المتحدة السياسية، وعلى رأسها مجلس الأمن، الذي يبدو عاجزًا أو مُكبَّلًا بحق النقض (الفيتو) كلما تعارضت مصالح الأعضاء الدائمين. هذا الجمود رسّخ لدى الشعوب والحكومات شعورًا بأن المنظمة الدولية تتحرك فقط عندما تسمح توازنات القوى الكبرى، ما انعكس على مصداقيتها وقدرتها على قيادة العمل الجماعي.
وسط هذا المشهد المضطرب، تنعقد الدورة الثمانون للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وسط ترقب عالمي، حيث تتوج فعالياتها في 24 سبتمبر (2025) بانعقاد قمة المناخ التي دعا إليها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش.
وتُعد هذه القمة منصة محورية لعرض المساهمات المحددة وطنياً (NDCs) المحدثة وخطط العمل المناخي الجديدة، التي تعكس التزامات الدول بخفض الانبعاثات وتسريع التكيف مع آثار التغير المناخي، تمهيدًا لمؤتمر الأطراف COP30 المزمع عقده في مدينة بيليم البرازيلية بين 10 و21 نوفمبر 2025، في محطة يتوقع أن تكون مفصلية لمسار العمل المناخي العالمي.
تأتي هذه القمة في لحظة تتفاقم فيها الكوارث المناخية بوتيرة غير مسبوقة؛ حرائق الغابات من المتوسط إلى الأمازون، فيضانات كارثية أغرقت مدناً مثل درنة الليبية وأودت بحياة الآلاف، موجات حرّ قياسية ضربت أوروبا وآسيا، ونزوح ملايين البشر من ديارهم. ويؤكد تقرير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن العقد الأخير كان الأشد حرارة منذ بدء السجلات، فيما تحذر الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) من أن نافذة السيطرة على الاحترار العالمي عند 1.5° مئوية باتت على المحك والوقت المتاح أوشك على النفاذ.
هذا الواقع يجعل القمة أكثر من مجرد استعراض للخطط الوطنية؛ إنها اختبار حقيقي لمصداقية المجتمع الدولي وقدرته على الانتقال من الوعود إلى التنفيذ الفعلي. الأرقام تكشف أن التحدي هائل؛ تقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) تؤكد أن فجوة التمويل للتكيف المناخي تتراوح بين 194 و366 مليار دولار سنويًا، بينما لم تتجاوز التعهدات الفعلية ثلث هذا المبلغ. أما صندوق الخسائر والأضرار، الذي مثّل أبرز إنجازات قمة COP27 في شرم الشيخ وتم إطلاقه رسميًا في COP28 بدبي، فما تزال مساهماته محدودة جدًا مقارنة بخسائر تجاوزت 229 مليار دولار في 2024 وحده.
وتبرز الكوارث الأخيرة حجم الفجوة بين الطموح والواقع؛ فقد أودت فيضانات درنة بحياة أكثر من 11 ألف شخص خلال أيام، وجعلت موجات الحر صيف 2024 الأكثر سخونة منذ بدء السجلات، بينما التهمت حرائق الغابات مساحات شاسعة في اليونان وإسبانيا، وتسببت الأعاصير في آسيا بنزوح الملايين وتدمير المحاصيل وتهديد الأمن الغذائي العالمى. هذه الحقائق تدفع بقوة نحو جعل العدالة المناخية بندًا محوريًا على جدول الأعمال، إذ تواصل الدول النامية المطالبة بالتزامات واضحة من الدول الصناعية الكبرى المسؤولة تاريخيًا عن أكثر من 70٪ من الانبعاثات التراكمية.
بيد أن أزمة الثقة في المؤسسات الدولية لا تقتصر على فعالية مواجهة التغيرات المناخية فحسب. فالمشهد الإنساني في غزة يكشف ايضًا عمق العجز الجماعي؛ أكثر من 60 ألف مدني قُتلوا وفق تقديرات منظمات دولية، نصفهم من النساء والأطفال فيما يقف مجلس الأمن عاجزًا عن فرض وقف لإطلاق النار بفعل الانقسامات وحق النق (الفيتو). وفي السودان، تحولت دارفور إلى مسرح لإبادة صامتة، حيث أُحرقت قرى كاملة ونزح مئات الآلاف، بينما يواجه أكثر من 25 مليون شخص خطر الجوع بحسب برنامج الأغذية العالمي، وزادت المأساة هذا العام مع فيضان كارثي أودى بحياة قرية كاملة وأغرق محاصيل حيوية.
وتأسيسًا على ذلك فإن هذه الوقائع المتزامنة تطرح سؤالاً وجوديًا؛ إذا كان المجتمع الدولي عاجزًا عن حماية المدنيين في نزاعات محدودة، فكيف سيحميهم من كوارث مناخية أشد اتساعًا؟ ليس غريبًا إذن أن يرفع الأمين العام صوته محذرًا قبيل القمة قائلاً: “البشرية تقف على حافة الهاوية، وأزمة المناخ هي المعركة الفاصلة لعصرنا. إما أن نتحرك الآن بحزم، أو نواجه مستقبلًا لا يمكن العيش فيه.”
تأتى قمة المناخ المقرر عقدها في 24 سبتمبر(2025) ضمن أعمال الجمعية العامة، كمحاولة أخيرة يراقبها العالم لتحديد ما إذا كانت الأمم المتحدة قادرة على الانتقال من الأقوال إلى الأفعال. لاسيما في ظل التعقيدات المتشابكة بالمشهد العالمي جراء مُعضلة الأمن والمناخ. لتفرض بدورها تحدياً نوعياً إزاء كيفية مواجهه التهديدات البيئية وإراداتها المتباينة على البؤر الصراعية المتأججة إقليميا ودوليا، والتي قد تُنذر بمزيد من الاضطراب جراء التغير المناخي فإذا اكتفت المنظمة بإصدار بيانات وخطب جديدة من دون آليات محاسبة وضمانات تمويل عاجلة وعادلة لخطط التكيف في الجنوب العالمي، فإنها تخاطر بفقدان ما تبقى من ثقة الشعوب بها.








