قال بيتر راسموزن الخبير في التعاونيات الزراعية بألمانيا، أن البنوك التعاونية في بلاده تخضع للإشراف والرقابة نفسها التي تطبق على البنوك التجارية.
ولفت أن هذه البنوك تخضع لإشراف هيئة ‘بافين’ (BaFin) الحكومية، لذا فإن القواعد نفسها تنطبق على الجميع”.
واستعرض راسموزن التطور التاريخي لهذه البنوك، مشيراً إلى أنها تأسست في البداية ككيانات صغيرة تشبه مجموعات الادخار والائتمان، وتطورت ببطء لتصبح بنوكاً كاملة. وأوضح أنها تندرج ضمن القانون الخاص نظراً لالتزامها بالمعايير نفسها.
وحول الوضع الحالي، قال: “لدينا اليوم ما يقارب 630 بنكاً تعاونياً مستقلاً، مشيراً إلى أنها لم تعد موجودة في كل قرية، ولكن في كل ولاية اتحادية يوجد ما بين 20 إلى 30 بنكاً تعاونياً حسب حجم الولاية”. وأضاف أنها غير مقيدة بعملاء أو منتجات معينة.
وعن برامج التمويل الميسر، أوضح راسموزن أن البنوك التعاونية يمكنها، كغيرها من البنوك، العمل كوكيل يسهل الحصول على قروض بفائدة منخفضة، مثل تلك المخصصة للاستثمار الزراعي، وتقديمها للمزارعين أو المستفيدين الآخرين.
وكشف عن نسبة الولاء العالية بين المزارعين لهذا القطاع المصرفي، قائلاً: “الغالبية العظمى من المزارعين هم عملاء وأعضاء في البنوك التعاونية. بشكل عام، أكثر من 50%، ربما 60% أو 70% منهم، لا يزالون أعضاء وعملاء في بنك تعاوني”.
وأفاد راسموزن بالإشارة إلى نموذج العمل الفريد الذي يجمع بين الاستقلالية والتعاون، موضحاً “هذه البنوك المستقلة مسؤولة عن أعمالها الخاصة، لكن لديها مقدمو خدمات مشتركون، مثل بنك مركزي تعاوني وصندوق حماية مشترك. فهم يعملون معاً في أمور كثيرة، لكن يظلون كيانات مستقلة”.
وأكد الخبير في التعاونيات الزراعية بألمانيا، أن الفكرة التعاونية في بلاده تطورت بشكل متوازٍ في الريف والمدن، مدفوعةً بنفس المحفزات المتمثلة في الفقر والمديونية والاعتماد على المقرضين بشروط مجحفة.
وأشار إلى أن المؤسسين التاريخيين هما فريدريش رايفايزن في الريف وهيرمان شولتزه-ديليتش في الحضر.
وأوضح راسموزن أن الفكرة التعاونية احتاجت إلى حوالي 60 عاماً منذ انطلاقتها الأولى عام 1864 لتتحول إلى حركة شاملة تصل إلى كل قرية ألمانية تقريباً.
وأضاف أن الفكرة نجحت منذ البداية، لكنها تطلبت تطويراً متواصلاً لتعمل بالصورة المتخيلة. وبعد اكتمال الشبكة، أثبت القطاع مرونة كبيرة في التكيف مع المتغيرات السياسية وظروف السوق، غالباً بالخروج من الأزمات أكثر قوة”.
وتطرق إلى الإنجاز العالمي المتمثل في إدراج الفكرة التعاونية ضمن التراث الثقافي غير المادي للأمم المتحدة بعد 150 عاماً، وإلى التطور المحلي بدمج الفرعين الريفي والحضري تحت مظلة واحدة هي الاتحاد الألماني للتعاونيات ورايفايزن (DGRV).
وحول دور DGRV، قال راسموزن: “يعمل الاتحاد على تعزيز الحركة التعاونية وتقويتها، والضغط السياسي على المستويين الوطني والأوروبي، والتدقيق، وتقديم الاستشارات القانونية والضريبية، بالإضافة إلى تنسيق برامج التعليم والتدريب. ويدعم أيضاً تأسيس تعاونيات جديدة ويحافظ على العلاقات الدولية، وكل ذلك وفقاً للمادة الأولى من القانون الألماني التي توجب على التعاونية تعزيز مصالح أعضائها”.
واستشهد راسموزن باستطلاع رأي أظهر أن ثلاثة من كل أربعة أشخاص في ألمانيا يربطون التعاونيات بثلاثة قطاعات رئيسة هي: الخدمات المصرفية والزراعة والإسكان، مما يعكس عمق الجذور التعاونية في المجتمع.
وأشار إلى قطاعات واعدة مثل الطاقة التي تشهد نمواً متصاعداً.
وأبرز القوة الاقتصادية للتعاونيات، موضحاً أنها توظف أكثر من 700 ألف شخص، وتمتلك حوالي 22 مليون عضوية (مع احتساب تعدد العضوية للشخص الواحد)، في بلد يبلغ تعداده 83 مليون نسمة. وقال: “أنا شخصياً عضو في 5 تعاونيات”.
وفي القطاع المالي، أشار إلى أن البنوك التعاونية تخدم حوالي 30 مليون عميل، وتمتلك شبكة فروع شاملة، وتحصل على تصنيفات ائتمانية قوية توازي تلك التي يحصل عليها كبريات البنوك التجارية.
أما في القطاع الزراعي، فأوضح راسموزن أن نحو نصف الإنتاج الزراعي الألماني يمر عبر المنظمات التعاونية، التي توسعت أنشطتها لتشمل مجالات مثل محطات الوقود ومواد البناء والآلات الزراعية. ولاحظ وجود اتجاه للاندماج حيث يقل عدد التعاونيات ويزداد حجم أعمالها، محلياً وعالمياً.
وعن عوامل نجاح النموذج التعاوني، حددها راسموزن في: الجدوى الاقتصادية والقدرة على تقديم الفائدة للأعضاء، والإطار القانوني القوي، ونظام التدقيق الداخلي المتخصص، والإدارة المهنية، والهيكل المتكامل متعدد المستويات (محلي وإقليمي ووطني). واختتم بالتأكيد على أن “القدرة التنافسية والربحية هما شرطان أساسيان لاستمرار التعاونيات في خدمة احتياجات أعضائها على الوجه الأكمل”.







