يكشف الخلاف بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول عن أهمية قصوى لاستقلالية البنك المركزي في مواجهة الضغوط السياسية المباشرة أو السياسات الاقتصادية الشعبوية، خصوصاً عندما تكون هناك مخاطر تضخمية نتيجة قرارات تجارية أو مالية للرئيس الأمريكي.
ومن المعروف أن قرارات البنك المركزي تتم على أسس علمية احترافية، أما القرارات الاقتصادية للحكومات فتتم غالباً في ضوء تحقيق الرضا لدى أغلب المواطنين بصرف النظر عن آثارها الاقتصادية الجانبية.
ولم يكن الخلاف العلني بين الرئيس الأمريكي ترامب ورئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول مجرد صراع شخصي أو خلاف إعلامي عابر، بل كان تجسيداً لتوتر بنيوي بين منطقين متعارضين في إدارة الاقتصاد.
من جانب، هناك منطق سياسي قصير الأجل يركز على النمو السريع والعوائد الانتخابية، ومن جانب آخر، هناك منطق مؤسسي طويل الأجل يضع استقرار الأسعار ومصداقية العملة في صدارة الأولويات.
هذا الصدام يعكس الحدود الدقيقة لاستقلال البنوك المركزية، ومدى أهمية مقاومتها للضغوط السياسية، وهو درس بالغ الأهمية للدول النامية التي غالباً ما تعاني ضعف استقلالية مؤسساتها النقدية، مما يجعل اقتصادها أكثر عرضة للتقلبات والتضخم.
ولعلنا في مصر في أمسّ الحاجة لاستخلاص أهم الدروس من تلك الحالة الأمريكية، والتي تعتبر مطالبةُ الرئيس الخشنة والمستمرة للاحتياطي الفيدرالي بخفض سعر الفائدة تهديداً لاستقلالية وفعالية السلطة النقدية.
فكيف الحال في ضوء الزخم حول بعض الآراء المطروحة (والتي يُخشى أن يكون لها صدى لدى الحكومة، وتأخذها مأخذ الجد) والتي تدعو إلى نقل مديونية الحكومة إلى البنك المركزي، وهو ما قد يقوض استقلالية المؤسسة النقدية ويضع استقرار الاقتصاد الوطني على المحك، ويجعل سياسات البنك عرضة للتسييس والتقلبات، بدلاً من أن تبقى موجهة وفق معايير مهنية للحفاظ على التضخم واستقرار العملة.
من الناحية القانونية، لا ينص الدستور الأمريكي صراحة على استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، إذ يعود وجوده إلى قانون الاحتياطي الفيدرالي لعام 1913، ومع ذلك، فقد ترسخت استقلاليته عملياً عبر عرف مؤسسي راسخ، يضمن الفصل بين القرار النقدي والسلطة التنفيذية، مع خضوعه للمساءلة أمام الكونجرس وليس البيت الأبيض.
وصُممت هذه الصيغة لحماية السياسة النقدية من الدورات الانتخابية والضغوط السياسية، بعد تجارب أثبتت أن تدخل السلطة التنفيذية في تحديد أسعار الفائدة غالباً ما يؤدي إلى تضخم مرتفع وعدم استقرار اقتصادي، كما حدث في السبعينيات في الولايات المتحدة.
في هذا الإطار، يصر ترامب على اعتراضه المتكرر على رفع أسعار الفائدة، معتبراً أن ذلك يعيق تحفيز النمو بسرعة، ويرفع تكلفة الاقتراض على الشركات والأسر، ويؤثر على قدرة الصادرات الأمريكية على المنافسة عالمياً.
وقد تجاوز ترامب الأعراف الراسخة في العلاقة بين البيت الأبيض والاحتياطي الفيدرالي، مستخدماً خطاباً علنياً حاداً لمهاجمة رئيس البنك المركزي، ووصل الأمر إلى حد التلويح بعزله والطعن في شرعية قراراته، بل وذهب إلى مسارات قانونية تهدد بتصعيد الصراع، وهو أمر غير مسبوق في التاريخ الأمريكي الحديث.
هذا الواقع يظهر بوضوح المخاطر التي قد تواجهها أي دولة في حال فقدان البنك المركزي استقلاليته، حيث يصبح الاقتصاد رهينة للضغوط السياسية والانتخابية.
في المقابل، يتمسك جيروم باول ومجلس الاحتياطي الفيدرالي بتفويضهم الأساسي المتمثل في تحقيق التوظيف الكامل والحفاظ على استقرار الأسعار، مع مواجهة ضغوط تضخمية ناتجة ليس فقط عن قوة الطلب، بل أيضاً عن سياسات تجارية اعتمدتها الإدارة نفسها.
وأدت التعريفات الجمركية الواسعة التي فرضتها إدارة ترامب على واردات من الصين وعدد كبير من دول العالم، إلى زيادة تكاليف المدخلات على الشركات الأمريكية، والتي انعكست بدورها على المستهلكين عبر ارتفاع أسعار السلع، ما أحدث تضخماً ناتجاً عن ارتفاع التكاليف لا يمكن معالجته بسياسة نقدية توسعية أو خفض الفائدة.
من منظور الاحتياطي الفيدرالي، كانت سياسة أسعار الفائدة المنخفضة في ظل هذا التضخم تعني تمويل آثار سياسات سياسية خارج نطاق صلاحياته، وهو ما يتناقض مع جوهر استقلاليته ويهدد مصداقيته أمام الأسواق، ويضعف القدرة على ضبط التضخم على المدى المتوسط والطويل.
ويؤكد هذا الواقع درساً للدول النامية: أي تسييس للبنك المركزي يجعل الاقتصاد أكثر عرضة للصدمات، ويجعل مؤسسات الدولة النقدية رهينة للسياسات قصيرة الأجل، بدلاً من أن تظل مستقلة ومهنية.
لهذا السبب، يعتبر رفع أسعار الفائدة من قبل الفيدرالي ليس تحدياً للسلطة التنفيذية أو محاولة للإضرار بالنمو، بل استجابة مهنية لمزيج متناقض من السياسات المالية والتجارية المتوسعة والمقيدة في آن واحد.
وعلى خلاف الرواية السياسية، فإن جزءاً أساسياً من التشدد النقدي يهدف إلى احتواء آثار التضخم الناتجة عن سياسات لا يملك البنك المركزي سلطة تعديلها، لكنه يتحمل مسؤولية حماية الاستقرار المالي، وهذا يبرز أن استقلال البنك المركزي ليس مجرد رفاهية، بل ضرورة لضمان استقرار الاقتصاد حتى في مواجهة قرارات شعبوية أو سياسية مثيرة للجدل.
اقتصادياً ومؤسسياً، تميل كفة الحجة لصالح الاحتياطي الفيدرالي، فالتجربة الأمريكية، شأنها شأن التجارب الدولية في ألمانيا وسويسرا وكندا، تؤكد أن تسييس السياسة النقدية غالباً ما يقود إلى تضخم مرتفع وتقلبات مالية حادة، بينما يرتبط استقلال البنوك المركزية باستقرار اقتصادي أوسع ومصداقية أعلى للعملة.
أما حجة ترامب، رغم جاذبيتها السياسية وقدرتها على تعبئة الرأي العام، فهي تعكس أفقاً زمنياً قصيراً يركز على المكاسب الفورية، متجاهلة التكلفة طويلة الأجل لتقويض الثقة في النظام النقدي، والتي قد تستمر عقوداً بعد انتهاء الولاية الرئاسية.
ورغم النفوذ السياسي والإعلامي الذي يتمتع به الرئيس، بما في ذلك اللجوء إلى القضاء والضغط المؤسسي، فإن التجربة الحالية تثبت أن الاحتياطي الفيدرالي ينتصر كمؤسسة مستقلة.
حتى وإن جاء ترامب بمحافظ يحمل نفس خلفيات الرئيس، فالرؤساء يتغيرون، أما الأعراف التي تحمي استقلال القرار النقدي فتظل قائمة، مدعومة بالكونجرس والأسواق المالية والنظام النقدي العالمي.
والتاريخ يظهر أن أي محاولة لتسييس البنك المركزي تواجه مقاومة قوية من المؤسسات المالية والمستثمرين، الذين يربطون استقرار الأسواق ومصداقية العملة بقدرة البنك المركزي على اتخاذ قرارات مستقلة.
الخلاصة، يكشف صدام ترامب وباول أن مكافحة التضخم، حتى عندما يكون جزء منه ناتجاً عن سياسات شعبوية أو تعريفات جمركية مبالغ فيها، تظل مهمة لا يمكن المساومة عليها بالنسبة للبنك المركزي، فاستقرار العملة لا يُدار بمنطق الانتخابات ولا يُحسم في ساحات المحاكم ولا بقرارات سلطة تنفيذية يغيب عنها الآثار الاقتصادية الكلية لأي قرار خاص بالبنك المركزي، بل يُصان عبر مؤسسات قادرة على مقاومة الضغوط السياسية حفاظاً على المصلحة الاقتصادية طويلة الأجل.
بالنسبة للدول النامية، يمثل هذا الصدام درساً جوهرياً حيث إن ضعف استقلالية البنك المركزي يجعلها أكثر عرضة للصدمات التضخمية، وأي تدخل سياسي مباشر في السياسة النقدية قد يؤدي إلى أزمات مالية أو تفاقم ديون الدولة، فبناء مؤسسات نقدية مستقلة ليس رفاهية، بل ضرورة لاستقرار الاقتصاد ولحماية المواطنين من آثار السياسات قصيرة الأجل؛ فالسلطة السياسية قد تمتلك أدوات السلطة والصوت الأعلى في الإعلام، لكنها لا تملك القدرة المطلقة على التحكم بمفاتيح الاستقرار النقدي والمالي، التي تبقى بيد مؤسسات مؤسسية محترفة ذات استقلالية راسخة، وهي البنوك المركزية.








