شهد النقاش العام مؤخرًا طرحًا يدعو إلى إنهاء أزمة الدين العام في مصر خلال فترة زمنية قصيرة، من خلال نقل المديونية الحكومية إلى البنك المركزي مقابل نقل أصول مملوكة لوزارة المالية إلى ميزانيته. ويستند هذا الطرح، في جوهره، إلى تصور مفاده أن إعادة ترتيب الميزانيات العمومية للدولة والبنك المركزي يمكن أن تُحدث قفزة سريعة في معالجة اختلالات الدين العام. ونظراً لحساسية القضية المطروحة وتشابكها مع جوهر الاستقرار النقدي والمالي، فإن هذا الطرح يستوجب تقييماً علمياً دقيقاً بعيداً عن التبسيط أو المعالجات غير المستندة إلى أطر نظرية ومؤسسية واضحة.
من منظور اقتصادي تخصصي، يواجه هذا المقترح عددًا من الإشكاليات الجوهرية التي تمس الأسس النظرية والوظيفية لإدارة السياسة النقدية والمالية.
أولًا: الدور الوظيفي للبنك المركزي وحدود تدخله: تُجمع الأدبيات الاقتصادية الحديثة على أن المهمة الأساسية للبنك المركزي تتمثل في تحقيق استقرار الأسعار، وضمان سلامة النظام المصرفي، وإدارة السيولة بما يحد من التقلبات الاقتصادية الحادة. وقد نشأت فكرة استقلالية البنك المركزي تحديدًا كاستجابة تاريخية لتجارب فشل الاقتصادات التي خضعت فيها السياسة النقدية لاعتبارات تمويل العجز والدين العام، وهو ما عُرف في الأدبيات بمشكلة الهيمنة المالية (Fiscal Dominance).. في هذا السياق، فإن تحميل البنك المركزي عبء الدين الحكومي، سواء بصورة مباشرة أو عبر ترتيبات محاسبية غير تقليدية، يُمثل خروجاً صريحاً عن وظيفته الأساسية، ويُعيد إنتاج أنماط من التداخل بين السياستين النقدية والمالية أثبتت التجربة الدولية تكلفتها الباهظة من حيث التضخم وفقدان المصداقية.
ثانيًا: الخلط بين منطق الدولة ومنطق الشركة: ينطوي الطرح على خلط مفاهيمي بين إدارة الاقتصاد الكلي للدولة وإدارة الشركات. فالاستناد الضمني إلى منطق قائمة الأرباح والخسائر (Profit & Loss Statement) في تقييم أو معالجة وضع الدولة المالي يُعد طرحاً غير منضبط علمياً، إذ لا تُدار الدول بمنطق الشركات، فالدولة لا تُقاس كفاءتها الاقتصادية بميزان أرباح وخسائر، بل بقدرتها على تحقيق نمو اقتصادي مستدام، وتوليد فرص العمل، والحفاظ على التوازنات الكلية، وضمان العدالة الاجتماعية. كما أن الدين العام لا يُعد مشكلة محاسبية بقدر ما هو قضية اقتصادية كلية تتعلق بهيكل الإيرادات العامة، وكفاءة الإنفاق، ومعدل النمو الحقيقي مقارنة بتكلفة خدمة الدين. وعليه، فإن اختزال الأزمة في إعادة توزيع الأصول والخصوم يُعد تبسيطاً مخلاً لطبيعتها البنيوية.
ثالثًا: إشكالية نقل الأصول السيادية إلى البنك المركزي: من أخطر ما ينطوي عليه المقترح هو نقل ملكية أصول سيادية – قد تشمل أصولاً استراتيجية أو مصادر رئيسية للنقد الأجنبي – إلى ميزانية البنك المركزي. فهذا الإجراء يفتقر إلى مرجعية علمية أو تجربة دولية ناجحة يمكن الاستناد إليها. فالأصول العامة تُدار في إطار السياسة المالية والتنموية للدولة، وليس بوصفها أدوات لمعادلة التزامات مالية داخل ميزانية مؤسسة نقدية. كما أن هذا الطرح يثير تساؤلات جوهرية حول تقييم هذه الأصول، وطبيعة العائد المتوقع منها، ومدى سيولة هذه الأصول، فضلاً عن تعارض ذلك مع طبيعة ميزانية البنك المركزي، التي يفترض أن تكون عالية السيولة وقادرة على امتصاص الصدمات، لا أن تحتوي على أصول إنتاجية أو استثمارية طويلة الأجل.
رابعًا: الوهم الزمني للحلول السريعة: الحديث عن إمكانية تسوية أزمة دين عام متراكمة خلال بضعة أشهر يتناقض مع مجمل الخبرات الدولية. فالتجارب المقارنة – من أمريكا اللاتينية إلى شرق آسيا وأوروبا – تؤكد أن معالجة أزمات الدين السيادي تتطلب برامج إصلاح ممتدة، تشمل إصلاح المالية العامة، وإعادة هيكلة الدعم، وتوسيع القاعدة الضريبية، وتحفيز النمو، وتحسين مناخ الاستثمار. ولا يمكن لأي إجراء محاسبي، مهما بدا مبتكرًا، أن يحل محل هذه المسارات الإصلاحية المعقدة.
خامسًا: الاستقلال المؤسسي ومخاطر تآكل المصداقية: من شأن هذا المقترح أن يُقوض استقلال البنك المركزي، ويُضعف مصداقية السياسة النقدية في أعين الأسواق المحلية والدولية. فحين يُنظر إلى البنك المركزي باعتباره ذراعاً لتمويل الحكومة أو لتصفية التزاماتها، فإن ذلك ينعكس فورًا على توقعات التضخم، وسلوك المستثمرين، وتكلفة التمويل الخارجي، وهو ما قد يؤدي إلى نتائج عكسية تماماً لما يستهدفه الطرح.
سادسًا: الاعتبارات القانونية والمحاسبية: لا يستند المقترح إلى إطار قانوني واضح يسمح للبنك المركزي بامتلاك شركات أو أصول إنتاجية مملوكة للدولة. كما أن إدخال مثل هذه الأصول إلى ميزانيته العمومية يمثل تشوهاً في بنيتها المحاسبية، التي تعكس بطبيعتها علاقته بالحكومة والقطاع المصرفي والقطاع الخارجي، وليس دوره كمستثمر سيادي.
سابعاً: تجاهل التحديات القائمة في ميزانية البنك المركزي: يواجه البنك المركزي المصري بالفعل تحديات معقدة في ميزانيته العمومية، تتعلق بتراكم الالتزامات، وإدارة الاحتياطيات، وتداعيات السياسات الاستثنائية خلال السنوات الماضية. ومن ثم، فإن إدخال ترتيبات إضافية غير تقليدية قد يزيد من هشاشة الميزانية بدلاً من تعزيز متانتها.
إن الدعوة إلى حلول سريعة يشعر المواطن بآثارها خلال فترة قصيرة، رغم أهميتها سياسياً وإعلامياً، لا تعكس طبيعة الأزمة الاقتصادية، التي هي في جوهرها أزمة هيكلية تتطلب إصلاحًا شاملًا ومتدرجًا، وليس وعودًا زمنية غير واقعية.
وخلاصة القول، فإن التعامل مع أزمة الدين العام في مصر يستلزم مقاربة علمية ومؤسسية متكاملة، تقوم على تنسيق واضح بين السياسة المالية والنقدية، مع الحفاظ على استقلال البنك المركزي، وتشكيل فريق اقتصادي متخصص يعمل بعيدًا عن الضغوط غير المهنية، للخروج بورقة سياسات واقعية وقابلة للتنفيذ. أما الحلول التي تقوم على تحميل البنك المركزي أعباء الدين العام، فإن مخاطرها على الاستقرار الاقتصادي تفوق بكثير ما قد تحققه من مكاسب ظاهرية قصيرة الأجل.








