تواصل البورصة المصرية تسجيل مستويات تاريخية غير مسبوقة، بالتزامن مع عودة تدريجية للاهتمام المؤسسي بالسوق، واقتراب إدخال آليات وأدوات مالية جديدة، من بينها المشتقات المالية وآلية البيع على المكشوف. وفي هذا السياق، برزت صناديق المؤشرات المتداولة “ETFs” كأحد الأدوات المطروحة لإعادة هيكلة السيولة وتحسين كفاءة التسعير داخل السوق.
وتتشابه صناديق المؤشرات المتداولة مع صناديق الاستثمار التقليدية من حيث الفكرة العامة، لكنها تختلف في كونها أدوات مدرجة داخل البورصة، بما يتيح للمستثمرين شراء وبيع وثائقها على مدار جلسات التداول، الأمر الذي يمنحها مرونة أعلى مقارنة بآليات الاكتتاب والاسترداد التقليدية.
اتساع السوق شرط أساسي للنجاح
قال أحمد أبوالسعد، الرئيس التنفيذي لشركة أزيموت لإدارة الأصول، إن الدور الحقيقي لصناديق المؤشرات المتداولة يرتبط بتوسيع قاعدة المتعاملين داخل السوق وزيادة عدد الأوراق المالية المقيدة، وليس باستقطاب رؤوس الأموال الأجنبية بشكل مباشر.
وأوضح أن نجاح صناديق المؤشرات يتطلب سوقًا أكثر اتساعًا من حيث عدد الشركات المقيدة وحجم التداولات، مشيرًا إلى أن هذه الصناديق لا تمثل أداة جذب رئيسية للاستثمارات الأجنبية، حيث يفضل المستثمر الأجنبي عادةً الإدارة النشطة بدلًا من الاستثمار في أدوات تتبع المؤشرات.
أبوالسعد: اتساع السوق وزيادة عدد الشركات المقيدة يعزز نجاح التجربة
وأضاف أبوالسعد، أن السوق المصري مازال محدود نسبيًا لإطلاق صناديق مؤشرات متداولة متنوعة أو قطاعية، لافتًا إلى وجود تجارب سابقة لصناديق تتبع مؤشرات، لكنها تعمل كصناديق استثمار مفتوحة تقليدية وغير مدرجة في البورصة.
وحول تأثير تدفقات السيولة عبر صناديق المؤشرات، أوضح أن هذه التدفقات تنعكس على الأسهم المكونة للمؤشر فقط، وفقًا للوزن النسبي لكل سهم، حيث تدخل السيولة وتخرج من مكونات المؤشر مجتمعة، وليس من السوق ككل.
واستبعد أبوالسعد، أن تتحول صناديق المؤشرات إلى عامل ضغط إضافي خلال فترات التصحيح أو التوترات الجيوسياسية، مؤكدًا أنها لا تمثل أداة خروج جماعي بطبيعتها.
تُعد صناديق المؤشرات المتداولة أحد الأدوات الاستثمارية الحديثة في أسواق المال، حيث تجمع بين خصائص صناديق الاستثمار التقليدية وآليات التداول المباشر داخل البورصة.
ويقوم هذا النوع من الصناديق على تتبع أداء مؤشر معين أو سلة من الأسهم أو الأصول، بما يعكس حركة السوق أو قطاع محدد، مع إمكانية شراء وبيع وثائق الصندوق خلال جلسات التداول مثل الأسهم.
وتتميز صناديق المؤشرات المتداولة بانخفاض تكاليف الإدارة مقارنة بالصناديق النشطة، وارتفاع مستوى الشفافية، فضلًا عن إتاحة فرص التنويع الاستثماري وتقليل المخاطر، ما يجعلها أداة مفضلة للمستثمرين الأفراد والمؤسسات الراغبة في التعرض لحركة السوق دون الدخول في استثمارات مباشرة على كل سهم على حدة.
أداة مفضلة للمؤسسات
من جانبه، قال أيمن أبوهند، الرئيس التنفيذي للاستثمار بشركة سيجنيفيكا فينشرز، إن صناديق المؤشرات المتداولة تمثل أداة فعالة لتسهيل دخول رؤوس الأموال الأجنبية طويلة الأجل إلى البورصة المصرية، لما توفره من سهولة في التداول ووضوح في آليات الاستثمار مقارنة بالاستثمار المباشر في الأسهم.
وأشار إلى أن المستثمر المؤسسي يفضل في كثير من الأحيان شراء صندوق يعكس أداء سوق أو قطاع كامل، بدلًا من دراسة كل شركة على حدة، لافتًا إلى أن وجود صناديق مؤشرات تغطي قطاعات واعدة مثل التكنولوجيا أو الرعاية الصحية أو التأمين، يعزز من جاذبية السوق المصري.
أبوهند: المؤسسات تفضل الاستثمار عبر صناديق المؤشرات
وأكد أبوهند، أن صناديق المؤشرات كأداة استثمارية لا تخلق تقلبات بطبيعتها، موضحًا أن مستوى المخاطر يرتبط باستراتيجية الصندوق، سواء كان قائمًا على أسهم القيمة أو الأسهم الصغيرة أو بناءً على أحجام الشركات.
وأضاف أن عودة المستثمر المؤسسي الأجنبي لا تنفصل عن توافر أدوات استثمار حديثة، مشيرًا إلى أن المؤسسات تفضل التعرض المباشر للمؤشرات الرئيسية عبر أدوات سهلة التداول بدلًا من إجراءات الاكتتاب والاسترداد التقليدية.
العمق شرط الجاذبية
قال ياسر المصري، العضو المنتدب لشركة العربي الأفريقي لتداول الأوراق المالية، إن غياب العمق يمثل العقبة الأساسية أمام تحول صناديق المؤشرات إلى أداة جاذبة للاستثمارات الأجنبية طويلة الأجل.
وأوضح أن نجاح أي صندوق مؤشرات يتطلب شرطين أساسيين، أولهما قدرته على عكس أداء السوق أو المؤشر بدقة، والثاني توافر عدد كبير من الوثائق بما يضمن عمقًا حقيقيًا للتداول.
المصري: نصف مليار وثيقة الحد الأدنى لنجاح أي صندوق مؤثر في السوق
وأشار إلى أن المستثمر المؤسسي لن يفضل شراء وثائق صندوق محدود العمق في ظل توافر أسهم قيادية ذات سيولة مرتفعة، موضحًا أن مفهوم العمق يعني قدرة المستثمر على تنفيذ أوامر كبيرة دون التأثير الجوهري على السعر.
وشدد المصري على أن الحد الأدنى المقبول لنجاح أي صندوق مؤشرات مؤثر لا يقل عن نصف مليار وثيقة متداولة، إلى جانب قيام صانع السوق بدوره الكامل في توفير السيولة المستمرة.
التنويع قبل التوسع
قال مصطفى شفيع، رئيس قسم البحوث بشركة أكيومن لإدارة المحافظ، إن صناديق المؤشرات العامة التي تتبع مؤشرات متنوعة تمثل الخيار الأنسب للسوق المصري، مقارنة بالصناديق القطاعية.
وأوضح أن جوهر فكرة صناديق المؤشرات يقوم على تحقيق التنويع وتقليل المخاطر، حيث يضم المؤشر شركات من قطاعات وأنشطة مختلفة، بما يوفر حماية نسبية للمستثمر مقارنة بالصناديق القطاعية التي تتركز في نشاط واحد.
شفيع: تعميق السوق يبدأ بطرح شركات وقطاعات جديدة
وأكد شفيع أن المستثمر في صناديق الاستثمار لا يمتلك قرار البيع والشراء المباشر، حيث تتولى شركات إدارة الأصول إدارة السيولة وفق استراتيجية واضحة، ما يقلل من احتمالات التخارج العشوائي خلال فترات التقلبات.
وأضاف أن عدد الشركات المقيدة يقترب من مئتين وعشرين شركة، إلا أن الشركات ذات السيولة المرتفعة لاتزال محدودة، مشددًا على أن تعميق السوق لن يتحقق إلا عبر طرح شركات جديدة وإدراج قطاعات غير ممثلة.
أزمة هيكلية ومؤسسية
قال إيهاب رشاد، نائب رئيس مجلس إدارة شركة مباشر كابيتال، إن صناديق المؤشرات المتداولة في السوق المصري لاتزال تعكس حركة الأسهم القيادية فقط، في ظل تركز السيولة في عدد محدود من الأسهم، ما يحد من دورها في تحسين كفاءة التسعير.
وأوضح أن نجاح هذه الصناديق يتطلب التوسع في صناديق قطاعية أو متساوية الأوزان لتوجيه السيولة نحو الأسهم المتوسطة والصغيرة، محذرًا من أن عمليات التخارج المكثف خلال فترات التوتر قد تضخم موجات الهبوط.
رشاد: غياب الاستثمار المؤسسي طويل الأجل هو التحدي الحقيقي لـ”ETFs”
وأكد رشاد أن صناديق المؤشرات في مصر تواجه مشكلة مزدوجة، تجمع بين محدودية هيكلة المؤشرات وغياب المستثمر المؤسسي طويل الأجل، مشددًا على أن سيطرة الأفراد على غالبية التعاملات تجعل هذه الصناديق عرضة للمضاربة قصيرة الأجل.
جودة الشركات أولاً
قالت رانيا يعقوب، رئيس مجلس إدارة شركة ثري واي لتداول الأوراق المالية، إن عودة الاستثمار المؤسسي لا ترتبط بوجود صناديق المؤشرات بقدر ارتباطها بجودة الشركات المقيدة وفرص الاستثمار داخل السوق.
يعقوب: تفعيل صانع السوق على المؤشرات عامل رئيسي لدعم كفاءة التداول
وأوضحت أن تفعيل دور صانع السوق على المؤشرات يمثل أحد العوامل الرئيسية لدعم كفاءة تداول صناديق المؤشرات وزيادة فعاليتها، مؤكدة أن البورصة المصرية تمتلك مقومات جذب حقيقية في ظل المستويات السعرية الجاذبة للأسهم القيادية.







