عقد المركز المصري للدراسات الاقتصادية، مساء الاثنين، محاضرة بعنوان: «هل يمكن أن يكون لسياسات ترامب تأثير إيجابي؟»، حاضر فيها البروفيسور جون إلكينغتون، أحد أبرز رواد الاستدامة على مستوى العالم، تناول خلالها مستقبل الاستدامة، ودور العلم والذكاء الاصطناعي، والتحولات الجيوسياسية والاقتصادية والمناخية العالمية.
أكد إلكينغتون أن العالم يمر حاليًا بلحظة تحول غير مسبوقة، تقف فيها الاقتصادات والأسواق والسياسات عند مفترق طرق حاسم، مشددًا على أن التحديات الراهنة لم تعد قابلة للحل عبر إصلاحات تدريجية، بل تتطلب تغييرًا جذريًا في طريقة التفكير والعمل.
أشار إلكينغتون إلى أن النظام العالمي الذي نشأ عليه العالم يتعرض حاليًا لحالة «تمزق» حقيقية، متسائلًا عن المسار الذي سيقود إليه هذا التحول، في ظل تصاعد أزمات معقدة ومتشابكة، مثل تغير المناخ، والفقر، ونقص الموارد المائية، والحروب والصراعات، وهي تحديات وصفها بأنها «نظامية وخبيثة»، لا يمكن التعامل معها بأدوات تقليدية أو حلول جزئية.
كشف عن نتائج استطلاع عالمي شمل نحو 950 خبيرًا في الاستدامة بأكثر من 70 دولة، أظهرت أن أكثر من 90% من المشاركين يرون أن أجندة الاستدامة الحالية تحتاج إلى تغيير، فيما أكد 56% منهم ضرورة إحداث تغيير جذري، وهو ما يعكس تحولًا لافتًا في المزاج العالمي تجاه هذه القضايا.
وتطرق إلكينغتون إلى المخاطر المتزايدة المرتبطة بتغير المناخ، محذرًا من تحولات عميقة في النظم البيئية قد تهدد أسس الحضارة الإنسانية نفسها، مستشهدًا بتغيرات محتملة في التيارات البحرية الكبرى وتأثيرها طويل الأمد على المناخ العالمي.
وفيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، أكد إلكينغتون أنه يمثل أداة لا غنى عنها لتحقيق أي تقدم حقيقي في مسار الاستدامة، موضحًا أن القدرات البشرية وحدها لم تعد كافية للتعامل مع تعقيد التحديات الحالية، لكنه في الوقت نفسه طرح تساؤلات جوهرية حول من يملك هذه التكنولوجيا ومن يوجه استخدامها.
وحذر من مخاطر الطاقة والتلوث، مشيرًا إلى إمكانات هائلة للذكاء الاصطناعي في مجالات مثل تطوير الأدوية، وفهم البروتينات، والبحث عن بدائل للمعادن الأرضية النادرة.
وضرب مثالًا بتجربة صناعية نجحت، باستخدام الذكاء الاصطناعي، في تطوير مغناطيسات كهربائية دون استخدام أي معادن أرضية نادرة، محققة خفضًا كبيرًا في التكلفة والبصمة الكربونية، وتسريعًا غير مسبوق في عمليات البحث والتطوير.
كما تناول إلكينغتون التغيرات التي يشهدها عالم الأعمال، مشيرًا إلى أن بعض الشركات تتراجع علنًا عن التزاماتها المناخية، لكنها تواصل العمل عليها فعليًا خلف الكواليس، مؤكدًا أن الأسواق الحالية لا تزال عاجزة عن مكافأة التحولات المستدامة بالوتيرة المطلوبة، رغم وجود نماذج ناجحة، مثل التحول الواسع نحو السيارات الكهربائية في دول كالنرويج.
وشدد على أن السياسات العامة تلعب دورًا حاسمًا في تشكيل الأسواق وسلوك الشركات، محذرًا من أن قصر النظر في النقاشات السياسية الراهنة قد يهدد الديمقراطية نفسها.
واختتم إلكينغتون حديثه بالتأكيد على أهمية التعاون بين الأجيال، محذرًا من تحميل الشباب وحدهم مسؤولية التغيير، ومشددًا على ضرورة تمكينهم عبر التعليم والتمويل والسياسات العامة، داعيًا إلى تبني دور «البنّاء» بدلًا من الاكتفاء بإدارة الأزمات أو التمسك بعالم لم يعد قائمًا.
من جانبه، قال الدكتور أحمد طنطاوي، كبير مستشاري وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والمدير المؤسس لمركز الابتكار التطبيقي بالوزارة، إن الذكاء الاصطناعي بصورته الحالية لا يمثل تطورًا تقنيًا تقليديًا، بل هو نتاج عجز الأساليب التكنولوجية القديمة عن حل مشكلات معقدة، ما دفع المطورين إلى الانتقال من منطق «إعطاء الأوامر» إلى منطق «تعليم الآلة» كيفية اكتشاف الأنماط بنفسها من خلال كميات هائلة من البيانات.
وأوضح طنطاوي أن الطفرة في الذكاء الاصطناعي لم تكن ممكنة لولا التطور الكبير في قدرات الحوسبة، خاصة مع ظهور وحدات معالجة الرسومات، التي سمحت بتدريب نماذج ضخمة قادرة على استخراج أنماط غير معروفة حتى لمطوريها، وهو ما يطرح تحديًا جوهريًا يتمثل في غياب الفهم الكامل لكيفية وصول هذه النماذج إلى نتائجها.
وأشار إلى أن خطورة الذكاء الاصطناعي تكمن في قدرته على إنتاج استنتاجات قد تبدو صحيحة إحصائيًا، لكنها في الواقع وهمية أو غير دقيقة، مستشهدًا بالنماذج اللغوية الكبيرة التي تعتمد على كل ما كُتب ونُشر، بغض النظر عن جودة أو صحة المحتوى، ما يجعل «الأغلبية» هي الحكم.
وحذر طنطاوي من أن هذا الوضع يثير مخاوف حقيقية داخل الأوساط العلمية، في ظل سهولة ادعاء الخبرة وبناء نماذج تُستخدم في مجالات حساسة دون رقابة كافية، مؤكدًا أن الذكاء الاصطناعي، رغم أهميته وإمكاناته في دعم الاستدامة، يظل تكنولوجيا خطيرة إذا لم تُصمم وتُنظم ضمن أطر واضحة للحوكمة والأخلاقيات، خاصة مع الاتجاه السائد لترك الابتكار يسبق التنظيم.
من جانبه، علّق طارق عثمان، كبير المستشارين السياسيين في البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية لشؤون العالم العربي، بقوله إن عنوان الندوة يعكس عمق التحولات العالمية الراهنة، لافتًا إلى اتساع نطاق القضايا التي يطرحها جون إلكينغتون، وعلى رأسها التداعيات المتسارعة لتغير المناخ، التي باتت تمثل تهديدًا وجوديًا لمدن ساحلية كبرى، سواء في أوروبا أو في المنطقة، بما في ذلك الإسكندرية.
وتطرق عثمان إلى مخرجات مؤتمر المناخ COP27 في شرم الشيخ، خاصة ما يتعلق بالاتفاق على آلية «الخسائر والأضرار»، معتبرًا أنها تمثل نقطة التقاء مباشرة بين قضايا المناخ والاقتصاد الدولي.
من جانبها، قالت الدكتورة عبلة عبد اللطيف، المدير التنفيذي ومدير البحوث بالمركز المصري للدراسات الاقتصادية، إنه يجري حاليًا تحليلًا معمقًا لتأثيرات الذكاء الاصطناعي على سوق العمل في مصر، مؤكدة أنه سيتم الإعلان عن نتائج هذه الدراسة قريبًا.








