الحل لا يكمن في مجرد إعلان أرقام التضخم المخفضة، لكن في معالجة القنوات التي تربط الأسواق بالمستهلك
بينما تتحدث البيانات الرسمية عن تراجع التضخم السنوي إلى مستويات قريبة من 10.1% في يناير 2026، يظل الشارع يشهد ارتفاعًا مستمرًا في أسعار مائدة رمضان.
الواقع اليومي للمواطن، على الرغم من الأرقام المشجعة على الورق، مختلف تمامًا، الأسواق الشعبية لا تعكس التحسن الكلي حيث تكلفة السلع الغذائية والخضروات والفواكه في المناطق المكتظة بالمتسوقين ما زالت تثقل الجيب.
هذه المفارقة بين الرقم والواقع تجعل المواطن الصائم يتساءل: هل تحسن التضخم في البيانات الرسمية يعني شيئًا فعليًا لي؟
الأرقام الرسمية تشير إلى نجاح السياسة النقدية في احتواء التضخم. لكن هذا النجاح لا ينتقل بسرعة إلى الواقع. تكاليف النقل والوسطاء تلعب دورًا رئيسيًا في رفع الأسعار النهائية.
المنتج يصل إلى المستهلك بعد سلسلة طويلة من الزيادات، ومع كل مرحلة تضيف الفاتورة عبئًا جديدًا على الجيب.
المراقبة الحكومية لأسعار السلع الأساسية لم تخفف من شعور الناس بارتفاع الأسعار، خاصة في شهر رمضان حيث يزداد الطلب على المنتجات الاستهلاكية.
تجربة المواطن اليومية تكشف أن التضخم ليس مجرد رقم، إنما معركة يومية على المائدة، الفجوة بين المؤشرات الرسمية وأسعار السوق… لا تُقاس بمؤشرات الاقتصاد الكلي فقط، بل بما يشعر به كل أسرة عند شراء الخضار أو اللحوم.
حتى بعض السلع التي شهدت تراجعًا في أسعارها على الورق لم يصل هذا الانخفاض إلى الأسواق الشعبية، أو كان ضئيلاً جدًا بحيث لم يُحدث فرقًا في فاتورة رمضان.
الناس لا تعيش داخل المؤشرات. السلع الغذائية، تكاليف النقل، هامش الربح لدى التجار والوسطاء… كل هذه العوامل تجعل من الرقم الرسمي مجرد مؤشر لا يعكس الحقيقة اليومية.
حتى البضائع المستوردة التي تهبط أسعارها في أسواق الجملة لا تصل بنفس الانخفاض للمستهلك النهائي.
وهنا يظهر التحدي الأكبر: كيف يمكن للسياسات النقدية أن تبدو ناجحة على الورق بينما المواطن البسيط يشعر بالعكس تمامًا؟
من وجهة نظري، الحل لا يكمن في مجرد إعلان أرقام التضخم المخفضة، لكن في معالجة القنوات التي تربط الأسواق بالمستهلك النهائي.
يجب أن تركز السياسات على تقليل الفجوة بين السعر الرسمي والسعر على الأرض سواء من خلال تنظيم النقل والوساطة أو دعم السلع الأساسية مباشرة.
لا يكفي أن يطمئن البنك المركزي على الورق، بينما المائدة المصرية تتكبد كل يوم ضغوطًا جديدة.
الفاتورة تقول الحقيقة دائمًا والمواطن يشعر بها مباشرة في جيبه.
في النهاية، السؤال الأهم: هل نستطيع سد الفجوة بين السياسة الاقتصادية وتجربة المواطن اليومية؟ أم سيظل المواطن يشهد تحسنًا على الورق؟ بينما يختنق من ارتفاع الأسعار على المائدة.
الأسواق لا تكذب… والمواطن الصائم يعرف قيمة كل جنيه ينفقه قبل أن يقرأ أي تقرير رسمي.
مواجهة هذه الحقيقة تتطلب أكثر من بيانات وإحصاءات تحتاج لقرارات ملموسة تستجيب لتجربة الناس اليومية وتجعل التحسن الاقتصادي ملموسًا على الأرض.







